سورة القصص · الآية ٦٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذه الآيات، فيها عموم خلقه لسائر المخلوقات، ونفوذ مشيئته بجميع البريات، وانفراده باختيار من يختاره ويختصه، من الأشخاص، والأوامر، [والأزمان] والأماكن، وأن أحدا ليس له من الأمر والاختيار شيء، وأنه تعالى منزه عن كل ما يشركون به، من الشريك، والظهير، والعوين، والولد، والصاحبة، ونحو ذلك، مما أشرك به المشركون، وأنه العالم بما أكنته الصدور وما أعلنوه، وأنه وحده المعبود المحمود في الدنيا والآخرة، على ماله من صفات الجلال والجمال، وعلى ما أسداه إلى خلقه من الإحسان والإفضال. وأنه هو الحاكم في الدارين، في الدنيا، بالحكم القدري، الذي أثره جميع ما خلق وذرأ، والحكم الديني، الذي أثره جميع الشرائع، والأوامر والنواهي. وفي الآخرة يحكم بحكمه القدري والجزائي، ولهذا قال: { وإليه ترجعون }. فيجازي كلا منكم بعمله، من خير وشر.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: القصص ٦٨–٧٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
أي: يوم القيامة، و"عسى" من الله موجبة، فإن هذا واقع بفضل الله ومنه لا محالة. يخبر تعالى أنه المنفرد بالخلق والاختيار، وأنه ليس له في ذلك منازع ولا معقب فقال: {وربك يخلق ما يشاء ويختار} أي: ما يشاء، فما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، فالأمور كلها خيرها وشرها بيده، ومرجعها إليه. وقوله: {ما كان لهم الخيرة} نفي على أصح القولين، كقوله تعالى: {وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم} [الأحزاب: 36] . وقد اختار ابن جرير أن {ما} هاهنا بمعنى "الذي"، تقديره: ويختار الذي لهم فيه خيرة. وقد احتج بهذا المسلك طائفة المعتزلة على وجوب مراعاة الأصلح. والصحيح أنها نافية، كما نقله ابن أبي حاتم، عن ابن عباس وغيره أيضا، فإن المقام في بيان انفراده تعالى بالخلق والتقدير والاختيار، وأنه لا نظير له في ذلك؛ ولهذا قال: {سبحان الله وتعالى عما يشركون} أي: من الأصنام والأنداد، التي لا تخلق ولا تختار شيئا. ثم قال: {وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} أي: يعلم ما تكن (1) الضمائر، وما تنطوي عليه السرائر، كما يعلم ما تبديه الظواهر من سائر الخلائق، {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به ومن هو مستخف بالليل وسارب بالنهار} [الرعد: 10] . وقوله: {وهو الله لا إله إلا هو} أي: هو المنفرد بالإلهية، فلا معبود سواه، كما لا رب يخلق ويختار سواه {له الحمد في الأولى والآخرة} أي: في جميع ما يفعله هو المحمود عليه، لعدله وحكمته {وله الحكم} أي: الذي لا معقب له، لقهره وغلبته وحكمته ورحمته، {وإليه ترجعون} أي: جميعكم يوم القيامة فيجازي (2) كل عامل بعمله، من خير وشر، ولا يخفى عليه منهم خافية في سائر الأعمال.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢٥١) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الخيرة} [القصص: 68] والمعنى: ما وصفت، لأن المشركين كانوا فيما ذكر عنهم يختارون أموالهم، فيجعلونها لآلهتهم، فقال الله لنبيه محمد صلى الله عليه وسلم: وربك يا محمد يخلق ما يشاء أن يخلقه، ويختار للهداية والإيمان والعمل الصالح من خلقه ما هو في سابق علمه أنه خيرتهم، نظير ما كان من هؤلاء المشركين لآلهتهم خيار أموالهم، فكذلك اختياري لنفسي. واجتبائي لولايتي، واصطفائي لخدمتي وطاعتي، خيار مملكتي وخلقي. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٢٩٩) ↗التحرير والتنوير
وكان يصدهم عن تقلد شعائر الإسلام أسباب مغرية من الأعراض الزائلة التي فتنوا بها. و (عسى) ترج لتمثيل حالهم بحال من يرجى منه الفلاح. وأن يكون من المفلحين أشد في إثبات الفلاح من: أن يفلح، كما تقدم غير مرة. [68] 68] وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة سبحان الله وتعالى عما يشركون (68) وربك يخلق ما يشاء ويختار ما كان لهم الخيرة. هذا من تمام الاعتراض وهي جملة فأما من تاب وآمن وعمل صالحا [القصص: 67] وظاهر عطفه على ما قبله أن معناه آيل إلى التفويض إلى حكمة الله تعالى في خلق قلوب منفتحة للاهتداء ولو بمراحل، وقلوب غير منفتحة له فهي قاسية صماء، وأنه الذي اختار فريقا على فريق. وفي «أسباب النزول» للواحدي «قال أهل التفسير نزلت جوابا للوليد بن المغيرة حين قال فيما أخبر الله عنه وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم [الزخرف: 31] اه. يعنون بذلك الوليد بن المغيرة من أهل مكة وعروة بن مسعود الثقفي من أهل الطائف. وهما المراد بالقريتين. وتبعه الزمخشري وابن عطية. فإذا كان كذلك كان اتصال معناها بقوله ماذا أجبتم المرسلين [القصص: 65] ، فإن قولهم لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم هو من جملة ما أجابوا به دعوة الرسول صلى الله عليه وسلم. والمعنى: أن الله يخلق ما يشاء من خلقه من البشر وغيرهم ويختار من بين مخلوقاته لما يشاء مما يصلح له جنس ما منه الاختيار، ومن ذلك اختياره للرسالة من يشاء إرساله، وهذا في معنى قوله الله أعلم حيث يجعل رسالاته [الأنعام: 124] ، وأن ليس ذلك لاختيار الناس ورغباتهم والوجهان لا يتزاحمان. والمقصود من الكلام هو قوله ويختار فذكر يخلق ما يشاء إيماء إلى أنه أعلم بمخلوقاته. وتقديم المسند إليه على خبره الفعلي يفيد القصر في هذا المقام إن لوحظ سبب النزول أي ربك وحده لا أنتم تختارون من يرسل إليكم. وجوز أن يكون ما من قوله ما كان لهم الخيرة موصولة مفعولا لفعل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/١٦٤) ↗