سورة القصص · الآية ٥٥
﴿وَإِذَا سَمِعُوا اللَّغْوَ أَعْرَضُوا عَنْهُ وَقَالُوا لَنَا أَعْمَالُنَا وَلَكُمْ أَعْمَالُكُمْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَا نَبْتَغِي الْجَاهِلِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يذكر تعالى عظمة القرآن وصدقه وحقه، وأن أهل العلم بالحقيقة يعرفونه ويؤمنون به ويقرون بأنه الحق، { الذين آتيناهم الكتاب من قبله } وهم أهل التوراة، والإنجيل، الذين لم يغيروا ولم يبدلوا { هم به } أي: بهذا القرآن ومن جاء به { يؤمنون }. { وإذا يتلى عليهم } استمعوا له وأذعنوا و { قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ } لموافقته ما جاءت به الرسل، ومطابقته لما ذكر في الكتب، واشتماله على الأخبار الصادقة، والأوامر والنواهي الموافقة لغاية الحكمة. وهؤلاء الذين تفيد شهادتهم، وينفع قولهم، لأنهم لا يقولون ما يقولون إلا عن علم وبصيرة، لأنهم أهل الصنف، وأهل الكتب، وغيرهم لا يدل ردهم ومعارضتهم للحق على شبهة، فضلا عن الحجة، لأنهم ما بين جاهل فيه أو متجاهل معاند للحق. قال تعالى: قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا الآيات [الإسراء: 107]. وقوله: { إنا كنا من قبله مسلمين } فلذلك ثبتنا على ما من الله به علينا من الإيمان، فصدقنا بهذا القرآن، آمنا بالكتاب الأول والكتاب الآخر، وغيرنا ينقض تكذيبه بهذا الكتاب، إيمانه بالكتاب الأول. { أولئك } الذين آمنوا بالكتابين { يؤتون أجرهم مرتين } أجرا على الإيمان الأول، وأجرا على الإيمان الثاني، { بما صبروا } على الإيمان، وثبتوا على العمل، فلم تزعزعهم عن ذلك شبهة، ولا ثناهم عن الإيمان رياسة ولا شهوة. { و } من خصالهم الفاضلة، التي من آثار إيمانهم الصحيح، أنهم { ويدرؤن بالحسنة السيئة } أي: دأبهم وطريقتهم الإحسان لكل أحد، حتى للمسيء إليهم بالقول والفعل، يقابلونه بالقول الحميد والفعل الجميل، لعلمهم بفضيلة هذا الخلق العظيم، وأنه لا يوفق له إلا ذو حظ عظيم. { وإذا سمعوا اللغو } من جاهل خاطبهم به، { قالوا } مقالة عباد الرحمن أولي الألباب: { لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم } أي: كل سيجازى بعمله الذي عمله وحده، ليس عليه من وزر غيره شيء. …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عن العلماء الأولياء (1) من أهل الكتاب أنهم يؤمنون بالقرآن، كما قال تعالى: {الذين آتيناهم الكتاب يتلونه حق تلاوته أولئك يؤمنون به} [البقرة: 121] ، وقال: {وإن من أهل الكتاب لمن يؤمن بالله وما أنزل إليكم وما أنزل إليهم خاشعين لله} [آل عمران: 199] ، وقال: {إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا * ويقولون سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا} [الإسراء: 107، 108] ، وقال: {ولتجدن أقربهم مودة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانا وأنهم لا يستكبرون. وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 82، 83] . قال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم: {يس. والقرآن الحكيم} حتى ختمها، فجعلوا يبكون وأسلموا، ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون. وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين} يعني: من قبل هذا القرآن كنا مسلمين، أي: موحدين مخلصين لله مستجيبين له. قال الله: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} أي: هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم بالثاني [يؤتون أجرهم مرتين بإيمانهم بالرسول الأول ثم بالثاني] (2) ؛ ولهذا قال: {بما صبروا} أي: على اتباع الحق؛ فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس. وقد ورد في الصحيحين من حديث عامر الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها" (3) . وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٢٨٠) ↗التحرير والتنوير
ومجيء المسند مضارعا للدلالة على استمرار إيمانهم وتجدده. وحكاية إيمانهم بالمضي في قوله آمنا به مع أنهم يقولون ذلك عند أول سماعهم القرآن: إما لأن المضي مستعمل في إنشاء الإيمان مثل استعماله في صيغ العقود، وإما للإشارة إلى أنهم آمنوا به من قبل نزوله، أي آمنوا بأنه سيجيء رسول بكتاب مصدق لما بين يديه، يعني إيمانا إجماليا يعقبه إيمان تفصيلي عند سماع آياته. وينظر إلى هذا المعنى قوله إنا كنا من قبله مسلمين، أي مصدقين بمجيء رسول الإسلام. ويجوز أن يراد ب مسلمين موحدين مصدقين بالرسل فإن التوحيد هو الإسلام كما قال إبراهيم فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون [البقرة: 132] . وجملة إنه الحق من ربنا في موقع التعليل لجملة آمنا به. وجملة إنا كنا من قبله مسلمين بيان لمعنى آمنا به. [54- 55 أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (55) التعبير عنهم باسم الإشارة هنا للتنبيه على أنهم أحرياء بما سيذكر بعد اسم الإشارة من أجل الأوصاف التي ذكرت قبل اسم الإشارة مثل ما تقدم في قوله أولئك على هدى من ربهم في سورة البقرة [5] . عد الله لهم سبع خصال من خصال أهل الكمال: إحداها: أخروية، وهي يؤتون أجرهم مرتين أي أنهم يؤتون أجرين على إيمانهم، أي يضاعف لهم الثواب لأجل أنهم آمنوا بكتابهم من قبل ثم آمنوا بالقرآن، فعبر عن مضاعفة الأجر ضعفين بالمرتين تشبيها للمضاعفة بتكرير الإيتاء وإنما هو إيتاء واحد.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/١٤٤) ↗