البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالموضوعات

سورة القصص · الآية ٥٤

﴿أُولَٰئِكَ يُؤْتَوْنَ أَجْرَهُمْ مَرَّتَيْنِ بِمَا صَبَرُوا وَيَدْرَءُونَ بِالْحَسَنَةِ السَّيِّئَةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يذكر تعالى عظمة القرآن وصدقه وحقه، وأن أهل العلم بالحقيقة يعرفونه ويؤمنون به ويقرون بأنه الحق، { الذين آتيناهم الكتاب من قبله } وهم أهل التوراة، والإنجيل، الذين لم يغيروا ولم يبدلوا { هم به } أي: بهذا القرآن ومن جاء به { يؤمنون }. { وإذا يتلى عليهم } استمعوا له وأذعنوا و { قالوا آمنا به إنه الحق من ربنآ } لموافقته ما جاءت به الرسل، ومطابقته لما ذكر في الكتب، واشتماله على الأخبار الصادقة، والأوامر والنواهي الموافقة لغاية الحكمة. وهؤلاء الذين تفيد شهادتهم، وينفع قولهم، لأنهم لا يقولون ما يقولون إلا عن علم وبصيرة، لأنهم أهل الصنف، وأهل الكتب، وغيرهم لا يدل ردهم ومعارضتهم للحق على شبهة، فضلا عن الحجة، لأنهم ما بين جاهل فيه أو متجاهل معاند للحق. قال تعالى: قل آمنوا به أو لا تؤمنوا إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا الآيات [الإسراء: 107]. وقوله: { إنا كنا من قبله مسلمين } فلذلك ثبتنا على ما من الله به علينا من الإيمان، فصدقنا بهذا القرآن، آمنا بالكتاب الأول والكتاب الآخر، وغيرنا ينقض تكذيبه بهذا الكتاب، إيمانه بالكتاب الأول. { أولئك } الذين آمنوا بالكتابين { يؤتون أجرهم مرتين } أجرا على الإيمان الأول، وأجرا على الإيمان الثاني، { بما صبروا } على الإيمان، وثبتوا على العمل، فلم تزعزعهم عن ذلك شبهة، ولا ثناهم عن الإيمان رياسة ولا شهوة. { و } من خصالهم الفاضلة، التي من آثار إيمانهم الصحيح، أنهم { ويدرؤن بالحسنة السيئة } أي: دأبهم وطريقتهم الإحسان لكل أحد، حتى للمسيء إليهم بالقول والفعل، يقابلونه بالقول الحميد والفعل الجميل، لعلمهم بفضيلة هذا الخلق العظيم، وأنه لا يوفق له إلا ذو حظ عظيم. { وإذا سمعوا اللغو } من جاهل خاطبهم به، { قالوا } مقالة عباد الرحمن أولي الألباب: { لنآ أعمالنا ولكم أعمالكم } أي: كل سيجازى بعمله الذي عمله وحده، ليس عليه من وزر غيره شيء. …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

… يستكبرون. وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق يقولون ربنا آمنا فاكتبنا مع الشاهدين} [المائدة: 82، 83] . قال سعيد بن جبير: نزلت في سبعين من القسيسين بعثهم النجاشي، فلما قدموا على النبي صلى الله عليه وسلم قرأ عليهم: {يس. والقرآن الحكيم} حتى ختمها، فجعلوا يبكون وأسلموا، ونزلت فيهم هذه الآية الأخرى: {الذين آتيناهم الكتاب من قبله هم به يؤمنون. وإذا يتلى عليهم قالوا آمنا به إنه الحق من ربنا إنا كنا من قبله مسلمين} يعني: من قبل هذا القرآن كنا مسلمين، أي: موحدين مخلصين لله مستجيبين له. قال الله: {أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا} أي: هؤلاء المتصفون بهذه الصفة الذين آمنوا بالكتاب الأول ثم بالثاني [يؤتون أجرهم مرتين بإيمانهم بالرسول الأول ثم بالثاني] (2) ؛ ولهذا قال: {بما صبروا} أي: على اتباع الحق؛ فإن تجشم مثل هذا شديد على النفوس. وقد ورد في الصحيحين من حديث عامر الشعبي، عن أبي بردة، عن أبي موسى الأشعري، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين: رجل من أهل الكتاب آمن بنبيه ثم آمن بي، وعبد مملوك أدى حق الله وحق مواليه، ورجل كانت له أمة فأدبها فأحسن تأديبها ثم أعتقها فتزوجها" (3) . وقال الإمام أحمد: حدثنا يحيى بن إسحاق السيلحيني، حدثنا ابن لهيعة، عن سليمان (4) بن عبد الرحمن، عن القاسم، عن أبي أمامة قال: إني لتحت راحلة رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح، فقال قولا حسنا جميلا وقال فيما قال: "من أسلم من أهل الكتابين فله أجره مرتين، وله ما لنا وعليه ما علينا، [ومن أسلم من المشركين، فله أجره، وله ما لنا وعليه ما علينا] " (5) (6) . وقوله {ويدرؤون بالحسنة السيئة} أي: لا يقابلون السيئ (7) بمثله، ولكن يعفون ويصفحون. {ومما رزقناهم ينفقون} أي: ومن الذي رزقهم من الحلال ينفقون على خلق الله في النفقات الواجبة لأهلهم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

وعدهم ما وعد جل ثناؤه، بصبرهم على الكتاب الأول، واتباعهم محمدا صلى الله عليه وسلم، وصبرهم على ذلك. وذلك قول قتادة، وقد ذكرناه قبل. وقال آخرون: بل وعدهم بصبرهم بإيمانهم بمحمد صلى الله عليه وسلم قبل أن يبعث، وباتباعهم إياه حين بعث. وذلك قول الضحاك بن مزاحم، وقد ذكرناه أيضا قبل، وممن وافق قتادة على قوله عبد الرحمن بن زيد. حدثني يونس، قال: أخبرنا ابن وهب، قال: قال ابن زيد، في قوله: " {إنا كنا من قبله مسلمين} [القصص: 53] على دين عيسى، فلما جاء النبي صلى الله عليه وسلم أسلموا، فكان لهم أجرهم مرتين: بما صبروا أول مرة، ودخلوا مع النبي صلى الله عليه وسلم في الإسلام "

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٢٧٩) ↗

التحرير والتنوير

ومجيء المسند مضارعا للدلالة على استمرار إيمانهم وتجدده. وحكاية إيمانهم بالمضي في قوله آمنا به مع أنهم يقولون ذلك عند أول سماعهم القرآن: إما لأن المضي مستعمل في إنشاء الإيمان مثل استعماله في صيغ العقود، وإما للإشارة إلى أنهم آمنوا به من قبل نزوله، أي آمنوا بأنه سيجيء رسول بكتاب مصدق لما بين يديه، يعني إيمانا إجماليا يعقبه إيمان تفصيلي عند سماع آياته. وينظر إلى هذا المعنى قوله إنا كنا من قبله مسلمين، أي مصدقين بمجيء رسول الإسلام. ويجوز أن يراد ب مسلمين موحدين مصدقين بالرسل فإن التوحيد هو الإسلام كما قال إبراهيم فلا تموتن إلا وأنتم مسلمون [البقرة: 132] . وجملة إنه الحق من ربنا في موقع التعليل لجملة آمنا به. وجملة إنا كنا من قبله مسلمين بيان لمعنى آمنا به. [54- 55 أولئك يؤتون أجرهم مرتين بما صبروا ويدرؤن بالحسنة السيئة ومما رزقناهم ينفقون (54) وإذا سمعوا اللغو أعرضوا عنه وقالوا لنا أعمالنا ولكم أعمالكم سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين (55) التعبير عنهم باسم الإشارة هنا للتنبيه على أنهم أحرياء بما سيذكر بعد اسم الإشارة من أجل الأوصاف التي ذكرت قبل اسم الإشارة مثل ما تقدم في قوله أولئك على هدى من ربهم في سورة البقرة [5] . عد الله لهم سبع خصال من خصال أهل الكمال: إحداها: أخروية، وهي يؤتون أجرهم مرتين أي أنهم يؤتون أجرين على إيمانهم، أي يضاعف لهم الثواب لأجل أنهم آمنوا بكتابهم من قبل ثم آمنوا بالقرآن، فعبر عن مضاعفة الأجر ضعفين بالمرتين تشبيها للمضاعفة بتكرير الإيتاء وإنما هو إيتاء واحد.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/١٤٤) ↗