سورة النمل · الآية ٩٣
﴿وَقُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ سَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَتَعْرِفُونَهَا ۚ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: قل لهم يا محمد { إنمآ أمرت أن أعبد رب هذه البلدة } أي: مكة المكرمة التي حرمها وأنعم على أهلها، فيجب أن يقابلوا ذلك بالشكر والقبول. { وله كل شيء } من العلويات والسفليات، أتى به لئلا يتوهم اختصاص ربوبيته بالبيت وحده. { وأمرت أن أكون من المسلمين } أي: أبادر إلى الإسلام، وقد فعل صلى الله عليه وسلم، فإنه أول هذه الأمة إسلاما، وأعظمها استسلاما، { و } أمرت أيضا { أن أتلوا } عليكم { القرآن } لتهتدوا به وتقتدوا وتعلموا ألفاظه ومعانيه، فهذا الذي علي وقد أديته، { فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه } نفعه يعود عليه، وثمرته عائدة إليه { ومن ضل فقل إنمآ أنا من المنذرين } وليس بيدي من الهداية شيء. { وقل الحمد لله } الذي له الحمد في الأولى والآخرة، ومن جميع الخلق، خصوصا أهل الاختصاص والصفوة من عباده، فإن الذي ينبغي أن يقع منهم من الحمد والثناء على ربهم، أعظم مما يقع من غيرهم، لرفعة درجاتهم وكمال قربهم منه، وكثرة خيراته عليهم. { سيريكم آياته فتعرفونها } معرفة تدلكم على الحق والباطل، فلا بد أن يريكم من آياته ما تستنيرون به في الظلمات. ليهلك من هلك عن بينة ويحيى من حي عن بينة [الأنفال: 42]. { وما ربك بغافل عما تعملون } بل قد علم ما أنتم عليه من الأعمال والأحوال، وعلم مقدار جزاء تلك الأعمال، وسيحكم بينكم حكما تحمدونه عليه، ولا يكون لكم حجة بوجه من الوجوه عليه.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النمل ٩١–٩٣) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مخبرا رسوله وآمرا له أن يقول: {إنما أمرت أن أعبد رب هذه البلدة الذي حرمها وله كل شيء} ، كما قال: {قل (1) يا أيها الناس إن كنتم في شك من ديني فلا أعبد الذين تعبدون من دون الله ولكن أعبد الله الذي يتوفاكم} [يونس: 104] . وإضافة الربوبية إلى البلدة على سبيل التشريف لها والاعتناء بها، كما قال: {فليعبدوا رب هذا البيت. الذي أطعمهم من جوع وآمنهم من خوف} [قريش: 3، 4] . وقوله: {الذي حرمها} أي: الذي إنما صارت حراما قدرا وشرعا، بتحريمه لها، كما ثبت في الصحيحين عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: "إن هذا البلد حرمه الله يوم خلق السموات والأرض، فهو حرام بحرمة الله إلى يوم القيامة، لا يعضد شوكه، ولا ينفر صيده، ولا يلتقط لقطته إلا لمن عرفها، ولا يختلى خلاها" الحديث بتمامه. وقد ثبت في الصحاح والحسان والمسانيد من طرق جماعة تفيد القطع (2) ، كما هو مبين في موضعه من (3) كتاب الأحكام، ولله الحمد. وقوله: {وله كل شيء} : من باب عطف العام على الخاص، أي: هو رب هذه البلدة، ورب كل شيء ومليكه، {وأمرت أن أكون من المسلمين} أي: الموحدين المخلصين المنقادين لأمره المطيعين له. ب وقوله: {وأن أتلو القرآن} أي: على الناس أبلغهم إياه، كقوله: {ذلك نتلوه عليك من الآيات والذكر الحكيم} [آل عمران: 58] ، وكقوله: {نتلو عليك من نبإ موسى وفرعون بالحق لقوم يؤمنون} [القصص: 3] أي: أنا مبلغ ومنذر، {فمن اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فقل إنما أنا من المنذرين} أي: لي سوية الرسل الذين أنذروا قومهم، وقاموا بما عليهم من أداء الرسالة إليهم، وخلصوا من عهدتهم، وحساب أممهم على الله، كقوله تعالى: {فإنما عليك البلاغ وعلينا الحساب} [الرعد: 40] ، وقال: {إنما أنت نذير والله على كل شيء وكيل} [هود: 12] . {وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها} ، أي: لله الحمد الذي لا يعذب أحدا إلا بعد قيام الحجة
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢١٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
للحق الذي أنتم عنه عمون، سيريكم ربكم آيات عذابه وسخطه، فتعرفون بها حقيقة نصحي كان لكم، ويتبين صدق ما دعوتكم إليه من الرشاد. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/١٤٧) ↗التحرير والتنوير
وقل الحمد لله سيريكم آياته فتعرفونها وما ربك بغافل عما تعملون (93) كان ما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بأن يقوله للمعاندين مشتملا على أن الله هداه للدين الحق من التوحيد وشرائع الإسلام وأن الله هدى به الناس بما أنزل الله عليه من القرآن المتلو، وأنه جعله في عداد الرسل المنذرين، فكان ذلك من أعظم النعم عليه في الدنيا وأبشرها بأعظم درجة في الآخرة من أجل ذلك أمر بأن يحمد الله بالكلمة التي حمد الله بها نفسه وهي كلمة الحمد لله الجامعة لمعان من المحامد تقدم بيانها في أول سورة الفاتحة. وقد تقدم الكلام على قوله قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى في هذه السورة [59] . ثم استأنف بالاحتراس مما يتوهمه المعاندون حين يسمعون آيات التبرؤ من معرفة الغيب، وقصر مقام الرسالة على الدعوة إلى الحق من أن يكون في ذلك نقض للوعيد بالعذاب فختم الكلام بتحقيق أن الوعيد قريب لا محالة وأن الله لا يخلف وعده فتظهر لهم دلائل صدق الله في وعده. ولذلك عبر عن الوعيد بالآيات إشارة إلى أنهم سيحل بهم ما فيه تصديق لما أخبرهم به الرسول صلى الله عليه وسلم حين يوقنون أن ما كان يقول لهم هو الحق، فمعنى فتعرفونها تعرفون دلالتها على ما بلغكم الرسول من النذارة لأن المعرفة لما علقت بها بعنوان أنها آيات الله كان متعلق المعرفة هو ما في عنوان الآيات من معنى الدلالة والعلامة. والسين تؤذن بأنها إراءة قريبة، فالآيات حاصلة في الدنيا مثل الدخان، وانشقاق القمر، واستئصال صناديدهم يوم بدر، ومعرفتهم إياها تحصل عقب حصولها ولو في وقت النزع والغرغرة. وقد قال أبو سفيان ليلة الفتح: لقد علمت أن لو كان مع الله إله غيره لقد أغنى عني شيئا. وقال تعالى سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق [فصلت: 53] . فمن الآيات في أنفسهم إعمال سيوف المؤمنين الذين كانوا يستضعفونهم في أعناق سادتهم وكبرائهم يوم بدر. قال أبو جهل وروحه في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗