سورة النمل · الآية ٨٧
﴿وَيَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ فَفَزِعَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ إِلَّا مَنْ شَاءَ اللَّهُ ۚ وَكُلٌّ أَتَوْهُ دَاخِرِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخوف تعالى عباده، ما أمامهم من يوم القيامة، وما فيه من المحن والكروب، ومزعجات القلوب، فقال: { ويوم ينفخ في الصور ففزع } بسبب النفخ فيه { من في السموت ومن في الأرض } أي: انزعجوا وارتاعوا، وماج بعضهم ببعض، خوفا مما هو مقدمة له. { إلا من شآء الله } ممن أكرمه الله وثبته، وحفظه من الفزع، { وكل } من الخلق عند النفخ في الصور { أتوه داخرين } صاغرين ذليلين، كما قال تعالى: إن كل من في السموت والأرض إلا آتي الرحمن عبدا [مريم: 93] ففي ذلك اليوم، يتساوى الرؤساء والمرؤوسون، في الذل والخضوع لمالك الملك. ومن هوله أنك { ترى الجبال تحسبها جامدة } لا تفقد [شيئا] منها، وتظنها باقية على الحال المعهودة، وهي قد بلغت منها الشدائد والأهوال كل مبلغ، وقد تفتت، ثم تضمحل، وتكون هباء منبثا. ولهذا قال: { وهي تمر مر السحاب } من خفتها، وشدة ذلك الخوف وذلك { صنع الله الذي أتقن كل شيء إنه خبير بما تفعلون } فيجازيكم بأعمالكم. ثم بين كيفية جزائه فقال: { من جآء بالحسنة } اسم جنس يشمل كل حسنة، قولية أو فعلية أو قلبية { فله خير منها } هذا أقل التفضيل. { وهم من فزع يومئذ آمنون } أي: من الأمر الذي فزع الخلق لأجله آمنون، وإن كانوا يفزعون معهم. { ومن جآء بالسيئة } اسم جنس، يشمل كل سيئة { فكبت وجوههم في النار } أي: ألقوا في النار على وجوههم، ويقال لهم: { هل تجزون إلا ما كنتم تعملون }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النمل ٨٧–٩٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عن هول يوم نفخة الفزع في الصور، وهو كما جاء في الحديث: "قرن ينفخ فيه". وفي حديث (الصور) أن إسرافيل هو الذي ينفخ فيه بأمر الله تعالى، فينفخ فيه أولا نفخة الفزع ويطولها، وذلك في آخر عمر الدنيا، حين تقوم الساعة على شرار الناس من الأحياء، فيفزع من في السموات ومن في الأرض {إلا من شاء الله} ، وهم الشهداء، فإنهم أحياء عند ربهم يرزقون. قال الإمام مسلم بن الحجاج: حدثنا عبيد الله (1) بن معاذ العنبري، حدثنا أبي، حدثنا شعبة، عن النعمان بن سالم: سمعت يعقوب بن عاصم بن عروة بن مسعود الثقفي، سمعت عبد الله بن عمرو، رضي الله عنه، وجاءه رجل فقال: ما هذا الحديث الذي تحدث إن الساعة تقوم إلى كذا وكذا؟ فقال: سبحان الله -أو: لا إله إلا الله -أو كلمة نحوهما -لقد هممت ألا أحدث أحدا شيئا أبدا، إنما قلت: إنكم سترون بعد قليل أمرا عظيما يخرب البيت، ويكون ويكون. ثم قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يخرج الدجال في أمتي فيمكث أربعين -[لا أدري أربعين] (2) يوما، أو أربعين شهرا، أو أربعين عاما -فيبعث الله عيسى بن مريم كأنه عروة بن مسعود، فيطلبه فيهلكه. ثم يمكث الناس سبع سنين، ليس بين اثنين عداوة، ثم يرسل الله ريحا باردة من قبل الشام، فلا يبقى على وجه الأرض أحد في قلبه مثقال ذرة من خير أو إيمان إلا قبضته، حتى لو أن أحدهم دخل في كبد جبل لدخلته (3) عليه حتى تقبضه". قال: سمعتها من رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: "فيبقى شرار الناس في خفة الطير وأحلام السباع، لا يعرفون معروفا ولا ينكرون منكرا، فيتمثل لهم الشيطان فيقول: ألا تستجيبون؟ فيقولون: فما تأمرنا؟ فيأمرهم بعبادة الأوثان، وهم في ذلك (4) دار رزقهم، حسن عيشهم. ثم ينفخ في الصور فلا يسمعه أحد إلا أصغى ليتا [ورفع ليتا] (5) . قال: "وأول من يسمعه رجل يلوط حوض إبله". قال: "فيصعق ويصعق الناس، ثم يرسل الله -أو قال: ينزل الله مطرا كأنه الطل -أو قال: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
نذكر في هذا الموضع بعض ما لم يذكر هناك من الأخبار، فقال بعضهم: هو قرن ينفخ فيه.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/١٣١) ↗التحرير والتنوير
الخلق المذكور في قوله تعالى بعد هذا ويوم ينفخ في الصور ففزع من في السماوات ومن في الأرض [النمل: 87] وهو في معنى قوله تعالى وامتازوا اليوم أيها المجرمون [يس: 59] فيحشر من كل أمة مكذبو رسولها. والفوج: الجماعة من الناس. ومن الداخلة على كل أمة تبعيضية وأما (من) الداخلة على ممن يكذب فيجوز جعلها بيانية فيكون فوج كل أمة هو جماعة المكذبين منها، أي يحشر من الأمة كفارها ويبقى صالحوها. ويجوز جعل (من) هذه تبعيضية أيضا بأن يكون المعنى إخراج فوج من المكذبين من كل أمة. وهذا الفوج هو زعماء المكذبين وأئمتهم فيكونون في الرعيل الأول إلى العذاب. وهذا قول ابن عباس إذ قال: مثل أبي جهل والوليد بن المغيرة وشيبة بن ربيعة يساقون بين يدي أهل مكة، وكذلك يساق أمام كل طائفة زعماؤها. وتقدم تفسير فهم يوزعون في قصة سليمان من هذه السورة [17] . والمعنى هنا: أنهم يزجرون إغلاظا عليهم كما يفعل بالأسرى. والقول في حتى إذا جاؤ كالقول في حتى إذا أتوا على واد النمل [النمل: 18] ولم يذكر الموضع الذي جاءوه لظهوره وهو مكان العذاب، أي جهنم كما قال في الآية حتى إذا ما جاؤها [فصلت: 20] . وحتى في حتى إذا جاؤ ابتدائية. وإذا الواقعة بعد حتى ظرفية والمعنى: حتى حين جاءوا. وفعل قال أكذبتم بآياتي هو صدر الجملة في التقدير وما قبله مقدم من تأخير للاهتمام. والتقدير: وقال أكذبتم بآياتي يوم نحشر من كل أمة فوجا وحين جاءوا. وفي قال التفات من التكلم إلى الغيبة. وقوله أكذبتم بآياتي قول صادر من جانب الله تعالى يسمعونه أو يبلغهم إياه الملائكة. والاستفهام يجوز أن يكون توبيخيا مستعملا في لازمه وهو الإلجاء إلى الاعتراف بأن المستفهم عنه واقع منهم تبكيتا لهم، ولهذا عطف عليه قوله أما ذا كنتم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/٤٠) ↗