سورة النمل · الآية ٨١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: اعتمد على ربك في جلب المصالح ودفع المضار، وفي تبليغ الرسالة، وإقامة الدين، وجهاد الأعداء. { إنك على الحق المبين } الواضح، والذي على الحق يدعو إليه، ويقوم بنصرته، أحق من غيره بالتوكل، فإنه يسعى في أمر مجزوم به، معلوم صدقه، لا شك فيه ولا مرية. وأيضا، فهو حق في غاية البيان، لا خفاء به ولا اشتباه، وإذا قمت بما حملت، وتوكلت على الله في ذلك، فلا يضرك ضلال من ضل، وليس عليك هداهم فلهذا قال: { إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعآء } أي: حين تدعوهم وتناديهم، وخصوصا { إذا ولوا مدبرين } فإنه يكون أبلغ في عدم إسماعهم. { ومآ أنت بهادي العمي عن ضلالتهم } كما قال تعالى: إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشآء [القصص: 56] { إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون } أي: هؤلاء الذين ينقادون لك، الذين يؤمنون بآيات الله، وينقادون لها بأعمالهم واستسلامهم، كما قال تعالى: إنما يستجيب الذين يسمعون والموتى يبعثهم الله ثم إليه يرجعون [الأنعام: 36].
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النمل ٧٩–٨١) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… أي: هدى لقلوب المؤمنين، ورحمة لهم في العمليات. ثم قال: {إن ربك يقضي بينهم} أي: يوم القيامة، {بحكمه وهو العزيز} في انتقامه، {العليم} بأفعال عباده وأقوالهم. {فتوكل على الله} أي: في أمورك، وبلغ رسالة ربك، {إنك على الحق المبين} أي: أنت على الحق المبين وإن خالفك من خالفك، ممن كتبت (4) عليه الشقاوة وحقت عليهم كلمة ربك أنهم لا يؤمنون، ولو جاءتهم كل آية؛ ولهذا قال: {إنك لا تسمع الموتى} أي: لا تسمعهم شيئا ينفعهم، فكذلك هؤلاء على قلوبهم غشاوة، وفي آذانهم وقر الكفر؛ ولهذا قال: {إنك لا تسمع الموتى ولا تسمع الصم الدعاء إذا ولوا مدبرين * وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون} [أي] (5) : إنما يستجيب لك من هو سميع بصير، السمع والبصر النافع في القلب والبصيرة الخاضع لله، ولما جاء عنه على ألسنة الرسل، عليهم السلام. هذه الدابة تخرج في آخر الزمان عند فساد الناس وتركهم أوامر الله وتبديلهم الدين الحق، يخرج الله لهم دابة من الأرض -قيل: من مكة. وقيل: من غيرها. كما سيأتي تفصيله -فتكلم الناس على ذلك. قال ابن عباس، والحسن، وقتادة -وروي عن علي رضي الله عنه -: تكلمهم كلاما أي: تخاطبهم مخاطبة. وقال عطاء الخراساني: تكلمهم فتقول لهم: إن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون. ويروى هذا عن علي، واختاره ابن جرير. وفي هذا [القول] (6) نظر لا يخفى، والله أعلم.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢١٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الكوفيين: {وما أنت بهادي} [النمل: 81] بالياء والألف وإضافته إلى العمي بمعنى: لست يا محمد بهادي من عمي عن الحق {عن ضلالته} . وقراءة عامة قراء الكوفة: (وما أنت تهدي العمي) بالتاء ونصب العمي، بمعنى: ولست تهديهم {عن ضلالتهم} [النمل: 81] ولكن الله يهديهم إن شاء.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/١١٨) ↗التحرير والتنوير
وهذا من الاستدلال بظاهر الدلالة من القرآن ولو باحتمال مرجوح كما بيناه في المقدمة التاسعة. وإلا فإن الموتى هنا استعارة وليس بحقيقة. وضميرا ولوا مدبرين عائدان إلى الصم، وهو تتميم للتشبيه حيث شبهوا في عدم بلوغ الأقوال إلى عقولهم بصم ولوا مدبرين، فإن المدبر يبعد عن مكان من يكلمه فكان أبعد عن الاستماع كما تقدم آنفا. [81] 81] وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم إن تسمع إلا من يؤمن بآياتنا فهم مسلمون (81) وما أنت بهادي العمي عن ضلالتهم. كرر تشبيه المشركين في إعراضهم عن الحق بأن شبهوا في ذلك بالعمي بعد أن شبهوا بالموتى وبالصم على طريقة الاستعارة إطنابا في تشنيع حالهم الموصوفة على ما هو المعروف عند البلغاء في تكرير التشبيه كما تقدم عند قوله تعالى أو كصيب من السماء في سورة البقرة [19] . وحسن هذا التكرير هنا ما بين التشبيهين من الفروق مع اتحاد الغاية فإنهم شبهوا بالموتى في انتفاء إدراك المعاني الذي يتمتع به العقلاء، وبالصم في انتفاء إدراك بلاغة الكلام الذي يضطلع به بلغاء العرب. وشبهوا ثالثا بالعمي في انتفاء التمييز بين طريق الهدى وطريق الضلال من حيث إنهم لم يتبعوا هدي دين الإسلام. والغاية واحدة وهي انتفاء اتباعهم الإسلام ففي تشبيههم بالعمي استعارة مصرحة، ونفي إنقاذهم عن ضلالتهم ترشيح للاستعارة لأن الأعمى لا يبلغ إلى معرفة الطريق بوصف الواصف. والهدى: الدلالة على طريق السائر بأن يصفه له فيقول مثلا: إذا بلغت الوادي فخذ الطريق الأيمن. والذي يسلك بالقوافل مسالك الطرق يسمى هاديا. والتوصل إلى معرفة الطريق يسمى اهتداء. وهذا الترشيح هو أيضا مستعار لبيان الحق والصواب للناس، والأعمى غير قابل للهداية بالحالتين حالة الوصف وهي ظاهرة، وحالة الاقتياد فإن العرب لم يكونوا يأخذون العمي معهم في أسفارهم لأنهم يعرقلون على القافلة سيرها.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/٣٦) ↗