سورة النمل · الآية ٧٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
ينبه عباده، على سعة جوده، وكثرة أفضاله، ويحثهم على شكرها، ومع هذا، فأكثر الناس قد أعرضوا عن الشكر، واشتغلوا بالنعم عن المنعم. { وإن ربك ليعلم ما تكن } أي: تنطوي عليه { صدورهم وما يعلنون } فليحذروا من عالم السرائر والظواهر، وليراقبوه. { وما من غآئبة في السمآء والأرض } أي: خفية وسر من أسرار العالم العلوي والسفلي، { إلا في كتاب مبين } قد أحاط ذلك الكتاب بجميع ما كان ويكون إلى أن تقوم الساعة، فكل حادث يحدث جلي أو خفي، إلا وهو مطابق لما كتب في اللوح المحفوظ.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النمل ٧٣–٧٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
في كيدك ورد ما جئت به، فإن الله مؤيدك وناصرك، ومظهر دينك على من خالفه وعانده في المشارق والمغارب. يقول تعالى مخبرا عن المشركين، في سؤالهم عن يوم القيامة واستبعادهم وقوع ذلك: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} قال الله مجيبا لهم: {قل} يا محمد {عسى أن يكون ردف لكم بعض الذي تستعجلون} . [قال ابن عباس أن يكون قرب -أو: أن يقرب -لكم بعض الذي تستعجلون] (1) . وهكذا (2) قال مجاهد، والضحاك، وعطاء الخراساني، وقتادة، والسدي. وهذا هو المراد بقوله تعالى: {ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريبا} [الإسراء: 51] ، وقال تعالى {يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين} [العنكبوت: 54] . وإنما دخلت "اللام" في قوله: {ردف لكم} ؛ لأنه ضمن معنى "عجل لكم" كما قال مجاهد في رواية عنه: {عسى أن يكون ردف لكم} : عجل لكم. ثم قال الله تعالى: {وإن ربك لذو فضل على الناس} أي: في إسباغه نعمه عليهم مع ظلمهم لأنفسهم، وهم مع ذلك لا يشكرونه على ذلك إلا القليل منهم، {وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون} أي: يعلم السرائر والضمائر، كما يعلم الظواهر، {سواء منكم من أسر القول ومن جهر به} [الرعد: 10] ، {يعلم السر وأخفى} [طه: 7] ، {ألا حين يستغشون ثيابهم يعلم ما يسرون وما يعلنون} [هود: 5] . ثم أخبر تعالى بأنه عالم غيب السموات والأرض، وأنه عالم الغيب والشهادة -وهو ما غاب عن العباد وما شاهدوه -فقال: {وما من غائبة في السماء والأرض} قال ابن عباس: يعني: وما من شيء، {في السماء والأرض إلا في كتاب مبين} وهذا كقوله تعالى: {ألم تعلم أن الله يعلم ما في السماء والأرض إن ذلك في كتاب إن ذلك على الله يسير} [الحج: 70] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢٠٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ربنا فيه كل ما هو كائن من لدن ابتدأ خلق خلقه إلى يوم القيامة. ويعني بقوله: {مبين} [البقرة: 168] أنه يبين لمن نظر إليه، وقرأ ما فيه مما أثبت فيه ربنا جل ثناؤه. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/١١٦) ↗التحرير والتنوير
وفيه إشارة إلى أنهم يكنون أشياء للنبيء صلى الله عليه وسلم وللمؤمنين، منها: أنهم يتربصون بهم الدوائر، وأنهم تخامر نفوسهم خواطر إخراجه وإخراج المؤمنين. وهذا الاستئناف لما كان ذا جهة من معنى وصف الله بإحاطة العلم عطفت جملته على جملة وصف الله بالفضل، فحصل بالعطف غرض ثان منهم، وحصل معنى الاستئناف البياني من مضمون الجملة. وأما التوكيد ب إن فهو على نحو توكيد الجملة التي قبله. ولك أن تجعله لتنزيل السائل منزلة المتردد وذلك تلويح بالعتاب. وتكن تخفي وهو من (أكن) إذا جعل شيئا كانا، أي حاصلا في كن. والكن: المسكن. وإسناد تكن إلى الصدور مجاز عقلي باعتبار أن الصدور مكانه. والإعلان: الإظهار. [75] 75] وما من غائبة في السماء والأرض إلا في كتاب مبين (75) عطف على جملة وإن ربك ليعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون [النمل: 74] . وهو في معنى التذييل للجملة المذكورة لأنها ذكر منها علم الله بضمائرهم فذيل ذلك بأن الله يعلم كل غائبة في السماء والأرض. وإنما جاء معطوفا لأنه جدير بالاستقلال بذاته من حيث إنه تعليم لصفة علم الله تعالى وتنبيه لهم من غفلتهم عن إحاطة علم الله لما تكن صدورهم وما يعلنون. والغائبة: اسم للشيء الغائب والتاء فيه للنقل من الوصفية إلى الاسمية كالتاء في العافية، والعاقبة، والفاتحة. وهو اسم مشتق من الغيب وهو ضد الحضور، والمراد: الغائبة عن علم الناس. استعمل الغيب في الخفاء مجازا مرسلا. والكتاب يعبر به عن علم الله، استعير له الكتاب لما فيه من التحقق وعدم قبول التغيير. ويجوز أن يكون مخلوقا غيبيا يسجل فيه ما سيحدث. والمبين: المفصل، لأن الشيء المفصل يكون بينا واضحا. والمعنى: أن الله لا يعزب عن علمه حقيقة شيء مما خفي على العالمين. وذلك يقتضي أن كل ما
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/٢٩) ↗