البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة النمل · الآية ٦٧

﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا وَآبَاؤُنَا أَئِنَّا لَمُخْرَجُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يخبر تعالى أنه المنفرد بعلم غيب السماوات والأرض، كقوله تعالى: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين [الأنعام: 59] وكقوله: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام [لقمان: 34] إلى آخر السورة. فهذه الغيوب ونحوها، اختص الله بعلمها، فلم يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وإذا كان هو المنفرد بعلم ذلك، المحيط علمه بالسرائر والبواطن والخفايا، فهو الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ثم أخبر تعالى عن ضعف علم المكذبين بالآخرة، منتقلا من شيء إلى ما هو أبلغ منه، فقال: { وما يشعرون } أي: وما يدرون { أيان يبعثون } أي: متى البعث والنشور، والقيام من القبور، أي: فلذلك لم يستعدوا. { بل ادارك علمهم في الآخرة } أي: بل ضعف، وقل ولم يكن يقينا، ولا علما واصلا إلى القلب، وهذا أقل وأدنى درجة للعلم ضعفه ووهاؤه، بل ليس عندهم علم ولا ضعيف وإنما { بل هم في شك منها } أي: من الآخرة، والشك زال به العلم، لأن العلم بجميع مراتبه، لا يجامع الشك، { بل هم منها } أي: من الآخرة { عمون } قد عميت عنها بصائرهم، ولم يكن في قلوبهم من وقوعها ولا احتمال، بل أنكروها واستبعدوها، ولهذا قال: { وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآبآؤنآ أإنا لمخرجون } أي: هذا بعيد غير ممكن، قاسوا قدرة كامل القدرة بقدرهم الضعيفة. { لقد وعدنا هذا } أي: البعث { نحن وآبآؤنا من قبل } أي: فلم يجئنا، ولا رأينا منه شيئا. { إن هذآ إلا أساطير الأولين } أي: قصصهم وأخبارهم، التي تقطع بها الأوقات، وليس لها أصل، ولا صدق فيها. فانتقل في الإخبار عن أحوال المكذبين بالإخبار أنهم لا يدرون متى وقت الآخرة، ثم الإخبار بضعف علمهم فيها، ثم الإخبار بأنه شك، ثم الإخبار بأنه عمى، ثم الإخبار بإنكارهم لذلك واستبعادهم وقوعه. أي: وبسبب هذه الأحوال ترحل خوف الآخرة من …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

التحرير والتنوير

… أراه في تفسيرها على هذا الاعتبار اللغوي أن معنى التدارك هو أن علم بعضهم لحق علم بعض آخر في أمر الآخرة لأن العلم، وهو جنس، لما أضيف إلى ضمير الجماعة حصل من معناه علوم عديدة بعدد أصناف الجماعات التي هي مدلول الضمير فصار المعنى: تداركت علومهم بعضها بعضا. وذلك صالح لمعنيين: أولهما: أن يكون التدارك وهو التلاحق الذي هو استعمال مجازي يساوي الحقيقة، أي تداركت علوم الحاضرين مع علوم أسلافهم، أي تلاحقت وتتابعت فتلقى الخلف عن السلف علمهم في الآخرة وتقلدوها عن غير بصيرة ولا نظر، وذلك أنهم أنكروا البعث ويشعر لذلك قوله تعالى عقبه وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآباؤنا أإنا لمخرجون لقد وعدنا هذا نحن وآباؤنا من قبل إن هذا إلا أساطير الأولين [النمل: 67- 68] . وقريب من هذا قوله تعالى في سورة المؤمنين [81] بل قالوا مثل ما قال الأولون. الوجه الثاني: أن يكون التدارك مستعملا مجازا مرسلا في الاختلاط والاضطراب لأن التدارك والتلاحق يلزمه التداخل كما إذا لحقت جماعة من الناس جماعة أخرى أي لم يرسوا على أمر واختلفت أقوالهم اختلافا يؤذن بتناقضها، فهم ينفون البعث ثم يزعمون أن الأصنام شفعاؤهم عند الله من العذاب، وهذا يقتضي إثبات البعث ولكنهم لا يعذبون ثم يتزودون تارة للآخرة ببعض أعمالهم التي منها: أنهم كانوا يحبسون الراحلة على قبر صاحبها ويتركونها لا تأكل ولا تشرب حتى تموت فيزعمون أن صاحبها يركبها، ويسمونها البلية، فذلك من اضطراب أمرهم في الآخرة. وفعل المضي على هذين الوجهين على أصله. وحرف (في) على هاذين الوجهين في تفسيرها على قراءة الجمهور مستعمل في السببية، أي بسبب الآخرة. ويجوز وجه آخر وهو أن يكون ادارك مبالغة في (أدرك) ومفعوله محذوفا

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/٢١) ↗