سورة النمل · الآية ٦٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى أنه المنفرد بعلم غيب السماوات والأرض، كقوله تعالى: وعنده مفاتح الغيب لا يعلمهآ إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمت الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتب مبين [الأنعام: 59] وكقوله: إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام [لقمان: 34] إلى آخر السورة. فهذه الغيوب ونحوها، اختص الله بعلمها، فلم يعلمها ملك مقرب، ولا نبي مرسل، وإذا كان هو المنفرد بعلم ذلك، المحيط علمه بالسرائر والبواطن والخفايا، فهو الذي لا تنبغي العبادة إلا له، ثم أخبر تعالى عن ضعف علم المكذبين بالآخرة، منتقلا من شيء إلى ما هو أبلغ منه، فقال: { وما يشعرون } أي: وما يدرون { أيان يبعثون } أي: متى البعث والنشور، والقيام من القبور، أي: فلذلك لم يستعدوا. { بل ادارك علمهم في الآخرة } أي: بل ضعف، وقل ولم يكن يقينا، ولا علما واصلا إلى القلب، وهذا أقل وأدنى درجة للعلم ضعفه ووهاؤه، بل ليس عندهم علم ولا ضعيف وإنما { بل هم في شك منها } أي: من الآخرة، والشك زال به العلم، لأن العلم بجميع مراتبه، لا يجامع الشك، { بل هم منها } أي: من الآخرة { عمون } قد عميت عنها بصائرهم، ولم يكن في قلوبهم من وقوعها ولا احتمال، بل أنكروها واستبعدوها، ولهذا قال: { وقال الذين كفروا أإذا كنا ترابا وآبآؤنآ أإنا لمخرجون } أي: هذا بعيد غير ممكن، قاسوا قدرة كامل القدرة بقدرهم الضعيفة. { لقد وعدنا هذا } أي: البعث { نحن وآبآؤنا من قبل } أي: فلم يجئنا، ولا رأينا منه شيئا. { إن هذآ إلا أساطير الأولين } أي: قصصهم وأخبارهم، التي تقطع بها الأوقات، وليس لها أصل، ولا صدق فيها. فانتقل في الإخبار عن أحوال المكذبين بالإخبار أنهم لا يدرون متى وقت الآخرة، ثم الإخبار بضعف علمهم فيها، ثم الإخبار بأنه شك، ثم الإخبار بأنه عمى، ثم الإخبار بإنكارهم لذلك واستبعادهم وقوعه. أي: وبسبب هذه الأحوال ترحل خوف الآخرة من …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى آمرا رسوله صلى الله عليه وسلم أن يقول معلما لجميع الخلق: أنه لا يعلم أحد من أهل السموات والأرض الغيب. وقوله: {إلا الله} استثناء منقطع، أي: لا يعلم أحد ذلك إلا الله، عز وجل، فإنه المنفرد بذلك وحده، لا شريك له، كما قال: {وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو} الآية [الأنعام: 59] ، وقال: {إن الله عنده علم الساعة وينزل الغيث ويعلم ما في الأرحام وما تدري نفس ماذا تكسب غدا وما تدري نفس بأي أرض تموت إن الله عليم خبير} [لقمان: 34] ، والآيات في هذا كثيرة. وقوله: {وما يشعرون أيان يبعثون} أي: وما يشعر الخلائق الساكنون في السموات والأرض بوقت الساعة، كما قال: {ثقلت في السموات والأرض لا تأتيكم إلا بغتة} [الأعراف: 187] ، أي: ثقل علمها على أهل السموات والأرض. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن الجعد، حدثنا أبو جعفر الرازي، عن داود بن أبي هند، عن الشعبي، عن مسروق، عن عائشة، رضي الله عنها، قالت: من زعم أنه يعلم -يعني النبي صلى الله عليه وسلم -ما يكون في غد فقد أعظم على الله الفرية؛ لأن الله تعالى يقول: {لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله} (1) . وقال قتادة: إنما جعل الله هذه النجوم لثلاث خصلات (2) : جعلها زينة للسماء، وجعلها يهتدى بها، وجعلها رجوما [للشياطين] (3) ، فمن تعاطى فيها غير ذلك فقد قال برأيه، وأخطأ حظه، وأضاع نصيبه وتكلف ما لا علم له به. وإن ناسا جهلة بأمر الله، قد (4) أحدثوا من هذه النجوم كهانة: من أعرس بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا. ومن سافر بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا. ومن ولد بنجم كذا وكذا، كان كذا وكذا. ولعمري ما من نجم إلا يولد به الأحمر والأسود، والقصير والطويل، والحسن والدميم، وما علم هذا النجم وهذه الدابة وهذا الطير بشيء من الغيب! وقضى الله: أنه لا يعلم من في السموات والأرض الغيب إلا الله، وما يشعرون أيان يبعثون. رواه ابن أبي حاتم عنه بحروفه، وهو كلام …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/١٠٤) ↗التحرير والتنوير
خلفاء في الأرض، وسخر لهم التصرف بوجوه التصاريف المعينة على هذه الخلافة، وهي تكوين هدايتهم في البر والبحر. وذلك جامع لأصول تصرفات الخلافة المذكورة في الارتحال والتجارة والغزو. وختم ذلك بكلمة جامعة لنعمتي الإيجاد والإمداد وفي مطاويها جوامع التمكن في الأرض. [65- 66] 66] قل لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب إلا الله وما يشعرون أيان يبعثون (65) بل ادارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون (66) لما أبطلت الآيات السابقة إلهية أصنام المشركين بالأدلة المتظاهرة فانقطع دابر عقيدة الإشراك ثني عنان الإبطال إلى أثر من آثار الشرك وهو ادعاء علم الغيب بالكهانة وإخبار الجن، كما كان يزعمه الكهان والعرافون وسدنة الأصنام. ويؤمن بذلك المشركون. وفي «معالم التنزيل» وغيره نزلت في المشركين حين سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وقت قيام الساعة فما كان سؤالهم عن ذلك إلا لظنهم أن ادعاء العلم بوقتها من شأن النبوءة توصلا لجحد النبوءة إن لم يعين لهم وقت الساعة فأبطلت الآية هذه المزاعم إبطالا عاما معياره الاستثناء بقوله إلا الله. وهو عام مراد به الخصوص أعني خصوص الكهان وسدنة بيوت الأصنام. وإنما سلك مسلك العموم لإبطال ما عسى أن يزعم من ذلك، ولأن العموم أكثر فائدة وأوجز، فإن ذلك حال أهل الشرك من بين من في السماوات والأرض. فالقصد هنا تزييف آثار الشرك وهو الكهانة ونحوها. وإذ قد كانت المخلوقات لا يعدون أن يكونوا من أهل السموات أو من أهل الأرض لانحصار عوالم الموجودات في ذلك كان قوله لا يعلم من في السماوات والأرض الغيب في قوة لا يعلم أحد الغيب، ولكن أطنب الكلام لقصد التنصيص على تعميم المخلوقات كلها فإن مقام علم العقيدة مقام بيان يناسبه الإطناب. واستثناء إلا الله منه لتأويل من في السماوات والأرض بمعنى: أحد،
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ٢٠/١٩) ↗