سورة النمل · الآية ٦
﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
بسم الله الرحمن الرحيم { طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين * هدى وبشرى للمؤمنين * الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون * إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون * أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون * وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم }. ينبه تعالى عباده على عظمة القرآن، ويشير إليه إشارة دالة على التعظيم، فقال: { تلك آيات القرآن وكتاب مبين } أي: هي أعلى الآيات، وأقوى البينات، وأوضح الدلالات، وأبينها على أجل المطالب، وأفضل المقاصد، وخير الأعمال، وأزكى الأخلاق، آيات تدل على الأخبار الصادقة، والأوامر الحسنة، والنهي عن كل عمل وخيم، وخلق ذميم، آيات بلغت في وضوحها وبيانها للبصائر النيرة، مبلغ الشمس للأبصار، آيات دلت على الإيمان، ودعت للوصول إلى الإيقان، وأخبرت عن الغيوب الماضية والمستقبلة، على طبق ما كان ويكون. آيات دعت إلى معرفة الرب العظيم، بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الكاملة، آيات عرفتنا برسله وأوليائه، ووصفتهم حتى كأننا ننظر إليهم بأبصارنا، ولكن مع هذا لم ينتفع بها كثير من العالمين، ولم يهتد بها جميع المعاندين، صونا لها عن من لا خير فيه ولا صلاح، ولا زكاء في قلبه، وإنما اهتدى بها، من خصهم الله بالإيمان، واستنارت بذلك قلوبهم، وصفت سرائرهم. فلهذا قال: { هدى وبشرى للمؤمنين } أي: تهديهم إلى سلوك الصراط المستقيم، وتبين لهم ما ينبغي أن يسلكوه أو يتركوه، وتبشرهم بثواب الله المرتب على الهداية لهذا الطريق. ربما قيل: لعله يكثر مدعو الإيمان، فهل يقبل من كل أحد ادعى أنه مؤمن ذلك؟ أم لا بد لذلك من دليل؟ وهو الحق، فلذلك بين تعالى صفة المؤمنين، فقال: { الذين يقيمون الصلاة } فرضها ونفلها فيأتون بأفعالها الظاهرة، من أركانها، وشروطها، وواجباتها، بل ومستحباتها، وأفعالها الباطنة وهو الخشوع الذي روحها ولبها باستحضار قرب الله، وتدبر ما يقول …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وهي مكية. بسم الله الرحمن الرحيم قد تقدم الكلام في "سورة البقرة" على الحروف المتقطعة (1) في أوائل السور. وقوله: {تلك آيات} أي: هذه آيات {القرآن وكتاب مبين} أي: بين واضح. {هدى وبشرى للمؤمنين} أي: إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن لمن آمن به واتبعه وصدقه، وعمل بما فيه، وأقام الصلاة المكتوبة، وآتى الزكاة المفروضة، وآمن (2) بالدار الآخرة والبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال، خيرها وشرها، والجنة والنار، كما قال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 44] . وقال: {لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا} [مريم: 97] ؛ ولهذا قال هاهنا: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي: يكذبون بها، ويستبعدون وقوعها {زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون} أي: حسنا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غيهم فهم يتيهون في ضلالهم. وكان هذا جزاء على ما كذبوا به من الدار الآخرة، كما قال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: 110] ، {أولئك الذين لهم سوء العذاب} أي: في الدنيا والآخرة، {وهم في الآخرة هم الأخسرون} أي: ليس يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر. وقوله: {وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم} أي: {وإنك} يا محمد - قال قتادة: {لتلقى} أي: لتأخذ. {القرآن من لدن حكيم عليم} أي: من عند حكيم عليم، أي: حكيم في أوامره ونواهيه، عليم بالأمور جليلها وحقيرها، فخبره هو الصدق المحض، وحكمه هو العدل التام، كما قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا [لا مبدل لكلماته] } (3) [الأنعام: 115] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/١٧٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٧) ↗التحرير والتنوير
الضلالة ويثوب إلى الإيمان يبرأ من هذا الحكم. وصيغ الخبر عنهم بالخسران في صيغة الجملة الاسمية وقرن بضمير الفصل للدلالة على ثبات مضمون الجملة وعلى انحصار مضمونها فيهم كما تقدم في قوله: وهم بالآخرة هم يوقنون [النمل: 3] . وجاء المسند اسم تفضيل للدلالة على أنهم أوحدون في الخسران لا يشبهه خسران غيرهم، لأن الخسران في الآخرة متفاوت المقدار والمدة وأعظمه فيهما خسران المشركين. [6] 6] وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم (6) عطف على جملة: تلك آيات القرآن [النمل: 1] انتقال من التنويه بالقرآن إلى التنويه بالذي أنزل عليه بأن القرآن آيات دالة على أنه كتاب مبين. وذلك آية أنه من عند الله، ثم بأنه آية على صدق من أنزل عليه إذ أنبأه بأخبار الأنبياء والأمم الماضين التي ما كان يعلمها هو ولا قومه قبل القرآن. وما كان يعلم خاصة أهل الكتاب إلا قليلا منها أكثره محرف. وأيضا فهذا تمهيد لما يذكر بعده من القصص. وتلقى مضارع لقاه مبني للمجهول، أي جعله لاقيا. واللقي واللقاء: وصول أحد الشيئين إلى شيء آخر قصدا أو مصادفة. والتلقية: جعل الشيء لاقيا غيره، قال تعالى: ولقاهم نضرة وسرورا [الإنسان: 11] ، وهو هنا تمثيل لحال إنزال القرآن إلى النبيء صلى الله عليه وسلم بحال التلقية كأن جبريل سعى للجمع بين النبيء صلى الله عليه وسلم والقرآن. وإنما بني الفعل إلى غير مذكور للعلم بأنه الله أو جبريل، والمعنى واحد: وهو أنك مؤتى الوحي من لدن حكيم عليم. وتأكيد الخبر لمجرد الاهتمام لأن المخاطب هو النبيء وهو لا يتردد في ذلك، أو يكون التأكيد موجها إلى السامعين من الكفار على طريقة التعريض. وفي إقحام اسم لدن بين من وحكيم تنبيه على شدة انتساب القرآن إلى جانب الله تعالى، فإن أصل لدن الدلالة على المكان مثل (عند) ثم شاع
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٢٢٣) ↗