سورة النمل · الآية ٥
﴿أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَهُمْ سُوءُ الْعَذَابِ وَهُمْ فِي الْآخِرَةِ هُمُ الْأَخْسَرُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
بسم الله الرحمن الرحيم { طس تلك آيات القرآن وكتاب مبين * هدى وبشرى للمؤمنين * الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم بالآخرة هم يوقنون * إن الذين لا يؤمنون بالآخرة زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون * أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون * وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم }. ينبه تعالى عباده على عظمة القرآن، ويشير إليه إشارة دالة على التعظيم، فقال: { تلك آيات القرآن وكتاب مبين } أي: هي أعلى الآيات، وأقوى البينات، وأوضح الدلالات، وأبينها على أجل المطالب، وأفضل المقاصد، وخير الأعمال، وأزكى الأخلاق، آيات تدل على الأخبار الصادقة، والأوامر الحسنة، والنهي عن كل عمل وخيم، وخلق ذميم، آيات بلغت في وضوحها وبيانها للبصائر النيرة، مبلغ الشمس للأبصار، آيات دلت على الإيمان، ودعت للوصول إلى الإيقان، وأخبرت عن الغيوب الماضية والمستقبلة، على طبق ما كان ويكون. آيات دعت إلى معرفة الرب العظيم، بأسمائه الحسنى وصفاته العليا وأفعاله الكاملة، آيات عرفتنا برسله وأوليائه، ووصفتهم حتى كأننا ننظر إليهم بأبصارنا، ولكن مع هذا لم ينتفع بها كثير من العالمين، ولم يهتد بها جميع المعاندين، صونا لها عن من لا خير فيه ولا صلاح، ولا زكاء في قلبه، وإنما اهتدى بها، من خصهم الله بالإيمان، واستنارت بذلك قلوبهم، وصفت سرائرهم. فلهذا قال: { هدى وبشرى للمؤمنين } أي: تهديهم إلى سلوك الصراط المستقيم، وتبين لهم ما ينبغي أن يسلكوه أو يتركوه، وتبشرهم بثواب الله المرتب على الهداية لهذا الطريق. ربما قيل: لعله يكثر مدعو الإيمان، فهل يقبل من كل أحد ادعى أنه مؤمن ذلك؟ أم لا بد لذلك من دليل؟ وهو الحق، فلذلك بين تعالى صفة المؤمنين، فقال: { الذين يقيمون الصلاة } فرضها ونفلها فيأتون بأفعالها الظاهرة، من أركانها، وشروطها، وواجباتها، بل ومستحباتها، وأفعالها الباطنة وهو الخشوع الذي روحها ولبها باستحضار قرب الله، وتدبر ما يقول …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وهي مكية. بسم الله الرحمن الرحيم قد تقدم الكلام في "سورة البقرة" على الحروف المتقطعة (1) في أوائل السور. وقوله: {تلك آيات} أي: هذه آيات {القرآن وكتاب مبين} أي: بين واضح. {هدى وبشرى للمؤمنين} أي: إنما تحصل الهداية والبشارة من القرآن لمن آمن به واتبعه وصدقه، وعمل بما فيه، وأقام الصلاة المكتوبة، وآتى الزكاة المفروضة، وآمن (2) بالدار الآخرة والبعث بعد الموت، والجزاء على الأعمال، خيرها وشرها، والجنة والنار، كما قال تعالى: {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد} [فصلت: 44] . وقال: {لتبشر به المتقين وتنذر به قوما لدا} [مريم: 97] ؛ ولهذا قال هاهنا: {إن الذين لا يؤمنون بالآخرة} أي: يكذبون بها، ويستبعدون وقوعها {زينا لهم أعمالهم فهم يعمهون} أي: حسنا لهم ما هم فيه، ومددنا لهم في غيهم فهم يتيهون في ضلالهم. وكان هذا جزاء على ما كذبوا به من الدار الآخرة، كما قال تعالى: {ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون} [الأنعام: 110] ، {أولئك الذين لهم سوء العذاب} أي: في الدنيا والآخرة، {وهم في الآخرة هم الأخسرون} أي: ليس يخسر أنفسهم وأموالهم سواهم من أهل المحشر. وقوله: {وإنك لتلقى القرآن من لدن حكيم عليم} أي: {وإنك} يا محمد - قال قتادة: {لتلقى} أي: لتأخذ. {القرآن من لدن حكيم عليم} أي: من عند حكيم عليم، أي: حكيم في أوامره ونواهيه، عليم بالأمور جليلها وحقيرها، فخبره هو الصدق المحض، وحكمه هو العدل التام، كما قال تعالى: {وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا [لا مبدل لكلماته] } (3) [الأنعام: 115] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/١٧٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{زينا لهم أعمالهم} [النمل: 4] يقول: حببنا إليهم قبيح أعمالهم، وسهلنا ذلك عليهم. {فهم يعمهون} [النمل: 4] يقول: فهم في ضلال أعمالهم القبيحة التي زيناها لهم يترددون حيارى، يحسبون أنهم يحسنون.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٧) ↗التحرير والتنوير
خالصا أو مشوبا بشيء من التأمل في مفاسده، وتلك مراتب لا يحيط بها إلا الذي يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور. [5] 5] أولئك الذين لهم سوء العذاب وهم في الآخرة هم الأخسرون (5) قصد باسم الإشارة زيادة تمييزهم فضحا لسوء حالهم مع ما ينبه إليه اسم الإشارة في مثل هذا المقام من أن استحقاقهم ما يخبر به عنهم ناشىء عما تقدم اسم الإشارة كما في أولئك على هدى من ربهم في سورة البقرة [5] . وعزز ما نبه عليه باسم الإشارة فأعقب باسم الموصول وصلته لما فيه من الإيماء إلى وجه بناء الخبر. وجيء بلام الاختصاص للإشارة إلى أنهم في حالتهم هذه قد هيىء لهم سوء العذاب. والظاهر أن المراد به عذاب الدنيا وهو عذاب السيف وخزي الغلب يوم بدر وما بعده بقرينة عطف: وهم في الآخرة هم الأخسرون. ففي الآية إشارة إلى جزاءين: جزاء في الدنيا معدود لهم يستحقونه بكفرهم، فهم ما داموا كافرين متهيئون للوقوع في ذلك العذاب إن جاء إبانه وهم على الكفر. وجزاء في الآخرة ينال من صار إلى الآخرة وهو كافر، وهذا المصير يسمى بالموافاة عند الأشعري. ولكون نوال العذاب الأول إياهم قابلا للتفصي منه بالإيمان قبيل حلوله بهم جيء في جانبه بلام الاختصاص المفيدة كونه مهيأ تهيئة، أما أصالة جزاء الآخرة إياهم فلا مندوحة لهم عنه إن جاؤوا يوم القيامة بكفرهم. فالضمائر في قوله لهم وقوله: وهم في الآخرة هم عائدة إلى الذين لا يؤمنون بالآخرة [النمل: 4] بمراعاة ذلك العنوان الذي أفادته الصلة فلا دلالة في الضمير على أشخاص معينين ولكن على موصوفين بمضمون الصلة فمن تنقشع عنه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٢٢٢) ↗