سورة النمل · الآية ٤٦
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد أرسلنآ إلى ثمود أخاهم صالحا أن اعبدوا الله فإذا هم فريقان يختصمون } إلى آخر القصة. يخبر تعالى أنه أرسل إلى ثمود القبيلة المعروفة، أخاهم في النسب صالحا، وأنه أمرهم أن يعبدوا الله وحده، ويتركوا الأنداد والأوثان، { فإذا هم فريقان يختصمون } منهم المؤمن، ومنهم الكافر، وهم معظمهم. { قال يقوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة } أي: لم تبادرون فعل السيئات وتحرصون عليها، قبل فعل الحسنات، التي بها تحسن أحوالكم وتصلح أموركم الدينية والدنيوية؟ والحال أنه لا موجب لكم إلى الذهاب لفعل السيئات؟. { لولا تستغفرون الله } بأن تتوبوا من شرككم وعصيانكم، وتدعوه أن يغفر لكم، { لعلكم ترحمون } فإن رحمة الله تعالى قريب من المحسنين، والتائب من الذنوب، هو من المحسنين. { قالوا } لنبيهم صالح، مكذبين ومعارضين: { اطيرنا بك وبمن معك } زعموا - قبحهم الله - أنهم لم يروا على وجه صالح خيرا، وأنه هو ومن معه من المؤمنين، صاروا سببا لمنع بعض مطالبهم الدنيوية، فقال لهم صالح: { طائركم عند الله } أي: ما أصابكم إلا بذنوبكم، { بل أنتم قوم تفتنون } بالسراء والضراء، والخير والشر، لينظر هل تقلعون وتتوبون، أم لا؟ فهذا دأبهم في تكذيب نبيهم وما قابلوه به. { وكان في المدينة } التي فيها صالح، الجامعة لمعظم قومه { تسعة رهط يفسدون في الأرض ولا يصلحون } أي: وصفهم الإفساد في الأرض، ولا لهم قصد ولا فعل بالإصلاح، قد استعدوا لمعاداة صالح والطعن في دينه، ودعوة قومهم إلى ذلك، كما قال تعالى: فاتقوا الله وأطيعون * ولا تطيعوا أمر المسرفين * الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون [الشعراء: 150-152]. فلم يزالوا بهذه الحال الشنيعة، حتى إنهم من عداوتهم { تقاسموا } فيما بينهم، كل واحد أقسم للآخر: { لنبيتنه وأهله } أي نأتيه ليلا، هو وأهله، فلنقتلنهم، { ثم لنقولن لوليه } إذا قام علينا، وادعى علينا أنا قتلناه، ننكر ذلك، وننفيه ونحلف { وإنا لصادقون …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة} ، أي: لم تدعون بحضور العذاب، ولا تطلبون من الله رحمته؟ ولهذا قال: {لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون * قالوا اطيرنا بك وبمن معك} أي: ما رأينا على وجهك ووجوه من اتبعك خيرا. وذلك أنهم -لشقائهم -كان لا يصيب أحدا منهم سوء إلا قال: هذا من قبل صالح وأصحابه. قال مجاهد: تشاءموا بهم. وهذا كما قال تعالى إخبارا عن قوم فرعون: {فإذا جاءتهم الحسنة قالوا لنا هذه وإن تصبهم سيئة يطيروا بموسى ومن معه ألا إنما طائرهم عند الله} [الأعراف: 131] . وقال تعالى: {وإن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله} [النساء: 78] أي: بقضاء الله وقدره (1) . وقال مخبرا عن أهل القرية إذ جاءها المرسلون: {قالوا إنا تطيرنا بكم لئن لم تنتهوا لنرجمنكم وليمسنكم منا عذاب أليم. قالوا طائركم معكم} [يس: 18، 19] . وقال هؤلاء: {اطيرنا بك وبمن معك قال طائركم عند الله} أي: الله يجازيكم على ذلك {بل أنتم قوم تفتنون} قال قتادة: تبتلون بالطاعة والمعصية. والظاهر أن المراد بقوله: {تفتنون} أي: تستدرجون فيما أنتم فيه من الضلال. يخبر تعالى عن طغاة ثمود ورؤوسهم، الذين كانوا دعاة قومهم إلى الضلالة والكفر وتكذيب صالح، وآل بهم الحال إلى أنهم عقروا الناقة، وهموا بقتل صالح أيضا، بأن يبيتوه في أهله ليلا فيقتلوه غيلة، ثم يقولوا لأوليائه من أقربيه: إنهم ما علموا بشيء من أمره، وإنهم لصادقون فيما أخبروهم به، من أنهم لم يشاهدوا ذلك، فقال تعالى: {وكان في المدينة} أي: مدينة ثمود، {تسعة رهط} أي: تسعة نفر، {يفسدون في الأرض ولا يصلحون} وإنما غلب هؤلاء على أمر ثمود؛ لأنهم كانوا كبراء فيهم ورؤساءهم. قال العوفي، عن ابن عباس: هؤلاء هم الذين عقروا الناقة، أي: الذي صدر ذلك عن آرائهم ومشورتهم -قبحهم الله ولعنهم -وقد فعل ذلك. وقال السدي، عن أبي مالك، عن ابن عباس: كان أسماء …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
شريك له، ولا تجعلوا معه إلها غيره. {فإذا هم فريقان يختصمون} [النمل: 45] يقول: فلما أتاهم صالح داعيا لهم إلى الله صار قومه من ثمود فيما دعاهم إليه فريقين يختصمون، ففريق مصدق صالحا مؤمن به، وفريق مكذب به كافر بما جاء به. PageEndV18P086 وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٨/٨٥) ↗التحرير والتنوير
سياق هذه القصص مناسبا لسياق السائر من بلاد اليمن إلى فلسطين. ولما كان ما حل بالقوم أهم ذكرا في هذا المقام قدم المجرور على المفعول لأن المجرور هو محل العبرة، وأما المفعول فهو محل التسلية، والتسلية غرض تبعي. ولام القسم لتأكيد الإرسال باعتبار ما اتصل به من بقية الخبر فإما أن يكون التأكيد لمجرد الاهتمام، وإما أن يبنى على تنزيل المخاطبين منزلة من يتردد فيما تضمنه الخبر من تكذيب قومه إياه واستخفافهم بوعيد ربهم على لسانه. وحلول العذاب بهم لأجل ذلك لأن حالهم في عدم العظة بما جرى للمماثلين في حالهم جعلهم كمن ينكر ذلك. وأن اعبدوا الله تفسير لما دل عليه أرسلنا من معنى القول. وفرع على أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا إلخ فإذا هم فريقان يختصمون. فالمعنى: أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا لإنقاذهم من الشرك ففاجأ من حالهم أن أعرض فريق عن الإيمان وآمن فريق. والإتيان بحرف المفاجأة كناية عن كون انقسامهم غير مرضي فكأنه غير مترقب، ولذلك لم يقع التعرض لإنكار كون أكثرهم كافرين إشارة إلى أن مجرد بقاء الكفر فيهم كاف في قبح فعلهم. وحالهم هذا مساو لحال قريش تجاه الرسالة المحمدية. وأعيد ضمير يختصمون على المثنى وهو فريقان باعتبار اشتمال الفريقين على عدد كثير. كقوله تعالى: وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا [الحجرات: 9] ولم يقل: اقتتلتا. والفريقان هما: فريق الذين استكبروا، وفريق الذين استضعفوا وفيهم صالح. والفاء للتعقيب وهو تعقيب بحسب ما يقتضيه العرف بعد سماع الدعوة. والاختصام واقع مع صالح ابتداء، ومع أتباعه تبعا. [46] 46] قال يا قوم لم تستعجلون بالسيئة قبل الحسنة لولا تستغفرون الله لعلكم ترحمون (46) لما كان الاختصام بين الفريقين في شأن صالح ابتداء جيء بجواب صالح عما
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٢٧٨) ↗