سورة الشعراء · الآية ٧١
﴿قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ واتل عليهم نبأ إبراهيم * إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون } إلى آخر هذه القصة { وإن ربك لهو العزيز الرحيم } أي: واتل يا محمد على الناس، نبأ إبراهيم الخليل، وخبره الجليل، في هذه الحالة بخصوصها، وإلا فله أنباء كثيرة، ولكن من أعجب أنبائه وأفضلها، هذا النبأ المتضمن لرسالته، ودعوته قومه، ومحاجته إياهم، وإبطاله ما هم عليه، ولذلك قيده بالظرف، فقال: { إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون * قالوا } متبجحين بعبادتهم: { نعبد أصناما } ننحتها ونعملها بأيدينا. { فنظل لها عاكفين } أي: مقيمين على عبادتها في كثير من أوقاتنا، فقال لهم إبراهيم، مبينا لعدم استحقاقها للعبادة: { هل يسمعونكم إذ تدعون } فيستجيبون دعاءكم، ويفرجون كربكم، ويزيلون عنكم كل مكروه؟. { أو ينفعونكم أو يضرون } فأقروا أن ذلك كله، غير موجود فيها، فلا تسمع دعاء، ولا تنفع، ولا تضر، ولهذا لما كسرها وقال: قال بل فعله كبيرهم هذا فاسألوهم إن كانوا ينطقون [الأنبياء: 63] قالوا له: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون [الأنبياء: 65] أي: هذا أمر متقرر من حالها، لا يقبل الإشكال والشك،فلجؤوا إلى تقليد آبائهم الضالين، فقالوا: { بل وجدنآ آبآءنا كذلك يفعلون } فتبعناهم على ذلك، وسلكنا سبيلهم، وحافظنا على عاداتهم، فقال لهم إبراهيم: أنتم وآباؤكم، كلكم خصوم في الأمر، والكلام مع الجميع واحد. { قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآبآؤكم الأقدمون * فإنهم عدو لي } فليضروني بأدنى شيء من الضرر، وليكيدوني، فلا يقدرون. { إلا رب العالمين * الذي خلقني فهو يهدين } هو المنفرد بنعمة الخلق ونعمة الهداية، للمصالح الدينية والدنيوية، ثم خصص منها بعض الضروريات فقال: { والذي هو يطعمني ويسقين * وإذا مرضت فهو يشفين * والذي يميتني ثم يحيين * والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين } فهذا هو وحده المنفرد بذلك، فيجب أن يفرد بالعبادة والطاعة، وتترك هذه الأصنام، التي لا تخلق، ولا تهدي، ولا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{لأبيه وقومه ما تعبدون} ؟ أي: ما هذه التماثيل التي أنتم لها عاكفون؟ {قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين} أي: مقيمين على عبادتها ودعائها. {قال هل يسمعونكم إذ تدعون أو ينفعونكم أو يضرون قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون} يعني: اعترفوا بأن (1) أصنامهم لا تفعل شيئا من ذلك، وإنما رأوا آباءهم كذلك يفعلون، فهم على آثارهم يهرعون. فعند ذلك قال لهم إبراهيم: {قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون أنتم وآباؤكم الأقدمون فإنهم عدو لي إلا رب العالمين} أي: إن كانت هذه الأصنام شيئا ولها تأثير، فلتخلص إلي بالمساءة، فإني عدو لها لا أباليها ولا أفكر فيها. وهذا كما قال تعالى مخبرا عن نوح، عليه السلام: {فأجمعوا أمركم وشركاءكم ثم لا يكن أمركم عليكم غمة ثم اقضوا إلي ولا تنظرون} [يونس:71] وقال هود، عليه السلام: {إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون. إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم} [هود:54-56] وهكذا تبرأ إبراهيم من آلهتهم وقال: {وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا} [الأنعام:81] وقال تعالى: {قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برآء منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العداوة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده} [الممتحنة:4] وقال تعالى: {وإذ قال إبراهيم لأبيه وقومه إنني براء مما تعبدون إلا الذي فطرني فإنه سيهدين وجعلها كلمة باقية في عقبه لعلهم يرجعون} [الزخرف:26-28] يعني: لا إله إلا الله. يعني: لا أعبد إلا الذي يفعل هذه الأشياء، {الذي خلقني فهو يهدين} أي: هو الخالق الذي قدر قدرا، وهدى الخلائق إليه، فكل يجري على [ما] (2) قدر، وهو الذي يهدي من يشاء ويضل من يشاء. {والذي هو يطعمني ويسقين} أي: هو خالقي ورازقي، بما سخر ويسر من الأسباب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عاكفين} [الشعراء: 71] يقول: فنظل لها خدما مقيمين على عبادتها وخدمتها. وقد بينا معنى العكوف بشواهده فيما مضى قبل، بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٥٨٩) ↗التحرير والتنوير
77] واتل عليهم نبأ إبراهيم (69) إذ قال لأبيه وقومه ما تعبدون (70) قالوا نعبد أصناما فنظل لها عاكفين (71) قال هل يسمعونكم إذ تدعون (72) أو ينفعونكم أو يضرون (73) قالوا بل وجدنا آباءنا كذلك يفعلون (74) قال أفرأيتم ما كنتم تعبدون (75) أنتم وآباؤكم الأقدمون (76) فإنهم عدو لي إلا رب العالمين (77) عقبت قصة موسى مع فرعون وقومه بقصة رسالة إبراهيم. وقدمت هنا على قصة نوح على خلاف المعتاد في ترتيب قصصهم في القرآن لشدة الشبه بين قوم إبراهيم وبين مشركي العرب في عبادة الأصنام التي لا تسمع ولا تبصر. وفي تمسكهم بضلال آبائهم وأن إبراهيم دعاهم إلى الاستدلال على انحطاط الأصنام عن مرتبة استحقاق العبادة ليكون إيمان الناس مستندا لدليل الفطرة، وفي أن قوم إبراهيم لم يسلط عليهم من عذاب الدنيا مثل ما سلط على قوم نوح وعلى عاد وثمود وقوم لوط وأهل مدين فأشبهوا قريشا في إمهالهم. فرسالة محمد وإبراهيم صلى الله عليهما قائمتان على دعامة الفطرة في العقل والعمل، أي في الاعتقاد والتشريع، فإن الله ما جعل في خلق الإنسان هذه الفطرة ليضيعها ويهملها بل ليقيمها ويعملها. فلما ضرب الله المثل للمشركين لإبطال زعمهم أنهم لا يؤمنون حتى تأتيهم الآيات كما أوتي موسى، فإن آيات موسى وهي أكثر آيات الرسل السابقين لم تقض شيئا في إيمان فرعون وقومه لما كان خلقهم المكابرة والعناد أعقب ذلك بضرب المثل بدعوة إبراهيم المماثلة لدعوة محمد صلى الله عليه وسلم في النداء على إعمال دليل النظر. وضمير عليهم عائد إلى معلوم من السياق كما تقدم في قوله أول السورة ألا يكونوا مؤمنين [الشعراء: 3] . والتلاوة: القراءة. وتقدم في قوله: ما تتلوا الشياطين في البقرة [102] . ونبأ إبراهيم: قصته المذكورة هنا، أي اقرأ عليهم ما ينزل عليك الآن من نبأ إبراهيم. وإنما أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بتلاوته للإشارة إلى أن الكلام المتضمن نبأ إبراهيم هو آية معجزة، وما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗