سورة الشعراء · الآية ١٩٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر قصص الأنبياء مع أممهم، وكيف دعوهم، و [ما] ردوا عليهم به، وكيف أهلك الله أعداءهم، وصارت لهم العاقبة. ذكر هذا الرسول الكريم، والنبي المصطفى العظيم، وما جاء به من الكتاب، الذي فيه هداية لأولي الألباب، فقال: { وإنه لتنزيل رب العالمين } فالذي أنزله، فاطر الأرض والسماوات، المربي جميع العالم، العلوي والسفلي، وكما أنه رباهم بهدايتهم لمصالح دنياهم وأبدانهم، فإنه يربيهم أيضا، بهدايتهم لمصالح دينهم وأخراهم، ومن أعظم ما رباهم به، إنزال هذا الكتاب الكريم، الذي اشتمل على الخير الكثير، والبر الغزير، وفيه من الهداية لمصالح الدارين، والأخلاق الفاضلة، ما ليس في غيره، وفي قوله: { وإنه لتنزيل رب العالمين } من تعظيمه وشدة الاهتمام فيه، من كونه نزل من الله، لا من غيره، مقصودا فيه نفعكم وهدايتكم، { نزل به الروح الأمين } وهو جبريل عليه السلام، الذي هو أفضل الملائكة وأقواهم، { الأمين } الذي قد أمن أن يزيد فيه أو ينقص. { على قلبك } يا محمد { لتكون من المنذرين } تهدي به إلى طريق الرشاد، وتنذر به عن طريق الغي. { بلسان عربي } وهو أفضل الألسنة، بلغة من بعث إليهم، وباشر دعوتهم أصلا، اللسان البين الواضح. وتأمل كيف اجتمعت هذه الفضائل الفاخرة في هذا الكتاب الكريم، فإنه أفضل الكتب، نزل به أفضل الملائكة، على أفضل الخلق، على أفضل بضعة فيه وهي قلبه، على أفضل أمة أخرجت للناس، بأفضل الألسنة وأفصحها وأوسعها، وهو اللسان العربي المبين. { وإنه لفي زبر الأولين } أي: قد بشرت به كتب الأولين وصدقته، وهو لما نزل طبق ما أخبرت به، صدقها، بل جاء بالحق وصدق المرسلين. { أو لم يكن لهم آية } على صحته، وأنه من الله { أن يعلمه علماء بني إسرائيل } الذي قد انتهى إليهم العلم، وصاروا أعلم الناس، وهم أهل الصنف، فإن كل شيء يحصل به اشتباه، يرجع فيه إلى أهل الخبرة والدراية، فيكون قولهم حجة على غيرهم، كما عرف السحرة الذين مهروا في …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… التي يدرسونها؟ والمراد: العدول منهم، الذين يعترفون بما في أيديهم من صفة محمد صلى الله عليه وسلم ومبعثه وأمته، كما أخبر بذلك من آمن منهم كعبد الله بن سلام، وسلمان الفارسي، عمن أدركه منهم ومن شاكلهم. وقال الله تعالى: {الذين يتبعون الرسول النبي الأمي الذي يجدونه مكتوبا عندهم في التوراة والإنجيل} الآية [الأعراف:157] . ثم قال تعالى مخبرا عن شدة كفر قريش وعنادهم لهذا القرآن؛ أنه لو أنزله على رجل من الأعاجم، ممن لا يدري من العربية كلمة، وأنزل عليه هذا الكتاب ببيانه وفصاحته، لا يؤمنون به؛ ولهذا قال: {ولو نزلناه على بعض الأعجمين. فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين} ، كما أخبر عنهم في الآية الأخرى: {ولو فتحنا عليهم بابا من السماء فظلوا فيه يعرجون. لقالوا إنما سكرت أبصارنا بل نحن قوم مسحورون} [الحجر:14، 15] وقال تعالى: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله} [الأنعام:111] ، وقال: {إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون. ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم} [يونس:96، 97] .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/١٦٣) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٦٤٣) ↗التحرير والتنوير
199] ولو نزلناه على بعض الأعجمين (198) فقرأه عليهم ما كانوا به مؤمنين (199) كان من جملة مطاعن المشركين في القرآن أنه ليس من عند الله، ويقولون: تقوله محمد من عند نفسه، وقالوا أساطير الأولين اكتتبها [الفرقان: 5] فدمغهم الله بأن تحداهم بالإتيان بمثله فعجزوا. وقد أظهر الله بهتانهم في هذه الآية بأنهم إنما قالوا ذلك حيث جاءهم بالقرآن رسول عربي، وأنه لو جاءهم بهذا القرآن رسول أعجمي لا يعرف العربية بأن أوحى الله بهذه الألفاظ إلى رسول لا يفهمها ولا يحسن تأليفها فقرأه عليهم، وفي قراءته وهو لا يحسن اللغة أيضا خارق عادة لو كان ذلك لما آمنوا بأنه رسول مع أن ذلك خارق للعادة فزيادة قوله: عليهم زيادة بيان في خرق العادة. يعني أن المشركين لا يريدون مما يلقونه من المطاعن البحث عن الحق ولكنهم أصروا على التكذيب وطفقوا يتحملون أعذارا لتكذيبهم جحودا للحق وتسترا من اللائمين. وجملة: ولو نزلناه على بعض الأعجمين معطوفة على جملة: نزل به الروح الأمين على قلبك إلى قوله: بلسان عربي مبين [الشعراء: 193- 195] لأن قوله: على قلبك أفاد أنه أوتيه من عند الله وأنه ليس من قول النبيء لا كما يقول المشركون: تقوله، كما أشرنا إليه آنفا. فلما فرغ من الاستدلال بتعجيزهم فضح نياتهم بأنهم لا يؤمنون به في كل حال، قال تعالى: إن الذين حقت عليهم كلمات ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية [يونس: 96، 97] . والأعجمين جمع أعجم. والأعجم: الشديد العجمة، أي لا يحسن كلمة بالعربية، وهو هنا مرادف أعجمي بياء النسب فيصح في جمعه على أعجمين اعتبار أنه لا حذف فيه باعتبار جمع أعجم كما قال حميد بن ثور يصف حمامة: ولم أر مثلي شاقه لفظ مثلها ... ولا عربيا شاقه لفظ أعجما
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/١٩٣) ↗