سورة الشعراء · الآية ١٢٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ كذبت قوم نوح المرسلين } إلى آخر القصة. يذكر تعالى، تكذيب قوم نوح لرسولهم نوح، وما رد عليهم وردوا عليه، وعاقبة الجميع، فقال: { كذبت قوم نوح المرسلين } جميعهم، وجعل تكذيب نوح كتكذيب جميع المرسلين، لأنهم كلهم اتفقوا على دعوة واحدة، وأخبار واحدة، فتكذيب أحدهم، تكذيب بجميع ما جاؤوا به من الحق، كذبوه { إذ قال لهم أخوهم } في النسب { نوح } وإنما ابتعث الله الرسل من نسب من أرسل إليهم، لئلا يشمئزوا من الانقياد له، ولأنهم يعرفون حقيقته، فلا يحتاجون أن يبحثوا عنه، فقال لهم مخاطبا بألطف خطاب - كما هي طريقة الرسل، صلوات الله وسلامه عليهم - { ألا تتقون } الله تعالى، فتتركون ما أنتم مقيمون عليه من عبادة الأوثان، وتخلصون العبادة لله وحده، { إني لكم رسول أمين } فكونه رسولا إليهم بالخصوص، يوجب لهم تلقي ما أرسل به إليهم، والإيمان به، وأن يشكروا الله تعالى على أن خصهم بهذا الرسول الكريم، وكونه أمينا، يقتضي أنه لا يتقول على الله، ولا يزيد في وحيه ولا ينقص، وهذا يوجب لهم التصديق بخبره والطاعة لأمره. { فاتقوا الله وأطيعون } فيما آمركم به وأنهاكم عنه، فإن هذا هو الذي يترتب على كونه رسولا إليهم، أمينا، فلذلك رتبه بالفاء الدالة على السبب، فذكر السبب الموجب، ثم ذكر انتفاء المانع، فقال: { ومآ أسألكم عليه من أجر } فتتكلفون من المغرم الثقيل، { أجر إن أجري إلا على رب العالمين } أرجو بذلك القرب منه، والثواب الجزيل، وأما أنتم فمنيتي، ومنتهى إرادتي منكم، النصح لكم وسلوككم الصراط المستقيم. { فاتقوا الله وأطيعون } كرر ذلك عليه السلام لتكريره دعوة قومه، وطول مكثه في ذلك، كما قال تعالى: فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما [العنكبوت: 14] وقال: قال رب إني دعوت قومي ليلا ونهارا * فلم يزدهم دعآئي إلا فرارا الآيات [نوح: 5-6]. فقالوا ردا لدعوته، ومعارضة له بما ليس يصلح للمعارضة: { أنؤمن لك واتبعك الأرذلون } أي: كيف …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال: {وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين} أي: كلما جاءهم كتاب من السماء أعرض عنه أكثر الناس، كما قال: {وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين} [يوسف:103] ، وقال: {يا حسرة على العباد ما يأتيهم من رسول إلا كانوا به يستهزئون} [يس:30] ، وقال: {ثم أرسلنا رسلنا تترى كلما جاء أمة رسولها كذبوه فأتبعنا بعضهم بعضا وجعلناهم أحاديث فبعدا لقوم لا يؤمنون} [المؤمنون: 44] ؛ ولهذا قال تعالى هاهنا: {فقد كذبوا فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون} أي: فقد كذبوا بما جاءهم من الحق، فسيعلمون نبأ هذا التكذيب بعد حين، {وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون} [الشعراء: 227] . ثم نبه تعالى على عظمته في سلطانه وجلالة قدره وشأنه، الذين اجترؤوا على مخالفة رسوله وتكذيب كتابه، وهو القاهر العظيم القادر، الذي خلق الأرض وأنبت فيها من كل زوج كريم، من زروع وثمار وحيوان. قال سفيان الثوري، عن رجل، عن الشعبي: الناس من نبات الأرض، فمن دخل الجنة فهو كريم، ومن دخل النار فهو لئيم. {إن في ذلك لآية} أي: دلالة على قدرة الخالق للأشياء، الذي بسط الأرض ورفع بناء السماء، ومع هذا ما آمن أكثر الناس، بل كذبوا به وبرسله وكتبه، وخالفوا أمره (1) وارتكبوا زواجره. وقوله: {وإن ربك لهو العزيز} أي: الذي عز كل شيء وقهره وغلبه، {الرحيم} أي: بخلقه، فلا يعجل على من عصاه، بل ينظره ويؤجله ثم يأخذه أخذ عزيز مقتدر. قال أبو العالية، وقتادة، والربيع بن أنس، و [محمد (2) ] بن إسحاق: العزيز في نقمته وانتصاره ممن خالف أمره وعبد غيره. وقال سعيد بن جبير: الرحيم بمن تاب إليه وأناب.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/١٣٦) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ذلك النبات بعد جدوبها لن يعجزه أن ينشر بها الأموات بعد مماتهم أحياء من قبورهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٥٥٠) ↗التحرير والتنوير
ومعنى (فسيأتيهم أنباء ما كانوا به يستهزئون) على الوجه الأول أن يكون الإتيان بمعنى التحقق كما في قوله: أتى أمر الله [النحل: 1] ، أي تحقق، أي سوف تتحقق أخبار الوعيد الذي توعدهم به القرآن الذي كانوا يستهزئون به. وعلى الوجه الثاني سوف تبلغهم أخبار استهزائهم بالقرآن، أي أخبار العقاب على ذلك. وأوثر إفراد فعل «يأتيهم» مع أن فاعله جمع تكسير لغير مذكر حقيقي يجوز تأنيثه لأن الإفراد أخف في الكلام لكثرة دورانه. [7- 9] 9] أولم يروا إلى الأرض كم أنبتنا فيها من كل زوج كريم (7) إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين (8) وإن ربك لهو العزيز الرحيم (9) الواو عاطفة على جملة: وما يأتيهم من ذكر من الرحمن محدث إلا كانوا عنه معرضين [الشعراء: 5] فالهمزة الاستفهامية منه مقدمة على واو العطف لفظا لأن للاستفهام الصدارة، والمقصود منه إقامة الحجة عليهم بأنهم لا تغني فيهم الآيات لأن المكابرة تصرفهم عن التأمل في الآيات، والآيات على صحة ما يدعوهم إليه القرآن من التوحيد والإيمان بالبعث قائمة متظاهرة في السماوات والأرض وهم قد عموا عنها فأشركوا بالله، فلا عجب أن يضلوا عن آيات صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وكون القرآن منزلا من الله فلو كان هؤلاء متطلعين إلى الحق باحثين عنه لكان لهم في الآيات التي ذكروا بها مقنع لهم عن الآيات التي يقترحونها قال تعالى: أولم ينظروا في ملكوت السماوات والأرض وما خلق الله من شيء [الأعراف: 185] ، وقال: قل انظروا ماذا في السماوات والأرض وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون [يونس: 101] أي عن قوم لم يعدوا أنفسهم للإيمان. فالمذكور في هذه الآية أنواع النبات دالة على وحدانية الله لأن هذا الصنع الحكيم لا يصدر إلا عن واحد لا شريك له. وهذا دليل من طريق العقل، ودليل أيضا على إمكان البعث لأن الإنبات بعد الجفاف مثيل لإحياء الأموات بعد رفاتهم كما قال تعالى: وآية لهم الأرض الميتة أحييناها [يس: …
أكمل القراءة في الكتاب ↗