سورة الفرقان · الآية ٤٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أشار تعالى إلى هذه القصص، وقد بسطها في آيات أخر، ليحذر المخاطبين من استمرارهم على تكذيب رسولهم، فيصيبهم ما أصاب هؤلاء الأمم الذين قريبا منهم، ويعرفون قصصهم بما استفاض واشتهر عنهم. ومنهم من يرون آثارهم عيانا، كقوم صالح في الحجر، وكالقرية التي أمطرت مطر السوء بحجارة من سجيل، يمرون عليهم مصبحين، وبالليل في أسفارهم، فإن أولئك الأمم ليسوا شرا منهم، ورسلهم ليسوا خيرا من رسول هؤلاء أكفركم خير من أولئكم أم لكم برآءة في الزبر [القمر: 43] ولكن الذي منع هؤلاء من الإيمان - مع ما شاهدوا من الآيات - أنهم كانوا لا يرجون بعثا ولا نشورا، فلا يرجون لقاء ربهم، ولا يخشون نكاله، فلذلك استمروا على عنادهم، وإلا فقد جاءهم من الآيات، ما لا يبقي معه شك ولا شبهة، ولا إشكال، ولا ارتياب.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الفرقان ٣٥–٤٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
جميعا، ولم يبق منهم أحد، ولم يبق على وجه الأرض من بني آدم سوى أصحاب السفينة فقط. {وجعلناهم للناس آية} أي: عبرة يعتبرون بها، كما قال تعالى: {إنا لما طغى الماء حملناكم في الجارية * لنجعلها لكم تذكرة وتعيها أذن واعية} [الحاقة: 11 -12] . أي: وأبقينا لكم من السفن ما تركبون في لجج البحار، لتذكروا نعمة الله عليكم في إنجائكم من الغرق، وجعلكم من ذرية من آمن به وصدق أمره. وقوله: {وعادا وثمود} قد (1) تقدم الكلام على قصتيهما في غير ما سورة، منها في سورة "الأعراف" بما أغنى عن الإعادة (2) . وأما أصحاب الرس فقال ابن جريج، عن (3) ابن عباس: هم أهل قرية من قرى ثمود. وقال ابن جريج: قال عكرمة: أصحاب الرس بفلج وهم أصحاب يس. وقال قتادة: فلج من قرى اليمامة. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن عمرو بن أبي عاصم [النبيل] (4) ، حدثنا الضحاك بن مخلد أبو عاصم، حدثنا شبيب بن بشر (5) ، حدثنا عكرمة عن ابن عباس في قوله: {وأصحاب الرس} قال: بئر بأذربيجان. وقال سفيان الثوري عن أبي بكير (6) ، عن عكرمة: الرس بئر رسوا فيها نبيهم. أي: دفنوه بها (7) . وقال محمد بن إسحاق، عن محمد بن كعب [القرظي] (8) قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إن أول الناس يدخل الجنة يوم القيامة العبد الأسود، وذلك أن الله -تعالى وتبارك -بعث نبيا (9) إلى أهل قرية، فلم يؤمن به من أهلها إلا ذلك العبد الأسود، ثم إن أهل القرية عدوا على النبي، فحفروا له بئرا فألقوه فيها، ثم أطبقوا عليه بحجر ضخم (10) قال: "فكان ذلك العبد يذهب فيحتطب على ظهره، ثم يأتي بحطبه فيبيعه، ويشتري به طعاما وشرابا، ثم يأتي به إلى تلك البئر، فيرفع تلك الصخرة، ويعينه الله عليها، فيدلي إليه طعامه وشرابه، ثم يردها كما كانت". قال: "فكان ذلك ما شاء الله أن يكون، ثم إنه ذهب يوما يحتطب كما كان يصنع، فجمع حطبه وحزم وفرغ منها فلما أراد أن يحتملها وجد سنة، فاضطجع فنام، فضرب الله على …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الحجارة التي أمطرها الله عليهم فأهلكهم بها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤٥٧) ↗التحرير والتنوير
والإشارة في قوله: بين ذلك إلى المذكور من الأمم. ومعنى بين ذلك أن أمما تخللت تلك الأقوام ابتداء من قوم نوح. وفي هذه الآية إيذان بطول مدد هذه القرون وكثرتها. والتنوين في كلا تنوين عوض عن المضاف إليه. والتقدير: وكلهم ضربنا له الأمثال وانتصب كلا الأول بإضمار فعل يدل عليه ضربنا له تقديره: خاطبنا أو حذرنا كلا وضربنا له الأمثال، وانتصب كلا الثاني بإضمار فعل يدل عليه تبرنا وكلاهما من قبيل الاشتغال. والتتبير: التفتيت للأجسام الصلبة كالزجاج والحديد. أطلق التتبير على الإهلاك على طريقة الاستعارة تبعية في تبرنا وأصلية في تتبيرا، وتقدم في قوله تعالى: إن هؤلاء متبر ما هم فيه في سورة الأعراف [139] ، وقوله: وليتبروا ما علوا تتبيرا في سورة الإسراء [7] . وانتصب تتبيرا على أنه مفعول مطلق مؤكد لعامله لإفادة شدة هذا الإهلاك. ومعنى ضرب الأمثال: قولها وتبيينها وتقدم عند قوله تعالى: إن الله لا يستحيي أن يضرب مثلا ما في سورة البقرة [26] . والمثل: النظير والمشابه، أي بينا لهم الأشباه والنظائر في الخير والشر ليعرضوا حال أنفسهم عليها. قال تعالى: وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم وتبين لكم كيف فعلنا بهم وضربنا لكم الأمثال [إبراهيم: 45] . [40] ولقد أتوا على القرية التي أمطرت مطر السوء أفلم يكونوا يرونها بل كانوا لا يرجون نشورا (40) لما كان سوق خبر قوم نوح وعاد وثمود وأصحاب الرس وما بينهما من القرون مقصودا لاعتبار قريش بمصائرهم نقل نظم الكلام هنا إلى إضاعتهم الاعتبار بذلك وبما هو أظهر منه لأنظارهم، وهو آثار العذاب الذي نزل بقرية قوم لوط. واقتران الخبر بلام القسم لإفادة معنى التعجيب من عدم اعتبارهم كما تقدم في قوله: لقد استكبروا في أنفسهم [الفرقان: 21] . وكانت قريش يمرون بديار قوم لوط في أسفارهم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٢٩) ↗