سورة الفرقان · الآية ٢٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: قال المكذبون للرسول، المكذبون بوعد الله ووعيده، الذين ليس في قلوبهم خوف الوعيد، ولا رجاء لقاء الخالق. { لولا أنزل علينا الملائكة أو نرى ربنا } أي: هلا نزلت الملائكة، تشهد لك بالرسالة، وتؤيدك عليها، أو تنزل رسلا مستقلين، أو نرى ربنا فيكلمنا، ويقول: هذا رسولي فاتبعوه؟ وهذا معارضة للرسول بما ليس بمعارض، بل بالتكبر والعلو والعتو. { لقد استكبروا في أنفسهم } حيث اقترحوا هذا الاقتراح، وتجرؤوا هذه الجرأة، فمن أنتم يا فقراء، ويا مساكين، حتى تطلبوا رؤية الله، وتزعموا أن الرسالة متوقف ثبوتها على ذلك؟ وأي كبر أعظم من هذا؟ { وعتوا عتوا كبيرا } أي: قسوا وصلبوا عن الحق قساوة عظيمة، فقلوبهم أشد من الأحجار، وأصلب من الحديد، لا تلين للحق، ولا تصغي للناصحين، فلذلك لم ينجع فيهم وعظ ولا تذكير، ولا اتبعوا الحق حين جاءهم النذير، بل قابلوا أصدق الخلق وأنصحهم، وآيات الله البينات، بالإعراض والتكذيب والمعارضة، فأي عتو أكبر من هذا العتو؟!! ولذلك، بطلت أعمالهم واضمحلت، وخسروا أشد الخسران، وحرموا غاية الحرمان. { يوم يرون الملائكة } التي اقترحوا نزولها { لا بشرى يومئذ للمجرمين } وذلك أنهم لا يرونها، مع استمرارهم على جرمهم وعنادهم، إلا لعقوبتهم، وحلول البأس بهم، فأول ذلك عند الموت، إذا تنزلت عليهم الملائكة، قال الله تعالى: ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب الهون بما كنتم تقولون على الله غير الحق وكنتم عن آياته تستكبرون [الأنعام: 93]. ثم في القبر، حيث يأتيهم منكر ونكير، فيسألهم عن ربهم ونبيهم ودينهم، فلا يجيبون جوابا ينجيهم، فيحلون بهم النقمة، وتزول عنهم بهم الرحمة، ثم يوم القيامة، حين تسوقهم الملائكة إلى النار، ثم يسلمونهم لخزنة جهنم، الذين يتولون عذابهم، ويباشرون عقابهم، فهذا الذي اقترحوه، وهذا الذي طلبوه، إن استمروا على إجرامهم لا بد أن يروه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الكريمة: {يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين} ، وهذا بخلاف حال المؤمنين في وقت احتضارهم، فإنهم يبشرون بالخيرات، وحصول المسرات. قال الله تعالى: {إن الذين قالوا ربنا الله ثم استقاموا تتنزل عليهم الملائكة ألا تخافوا ولا تحزنوا وأبشروا بالجنة التي كنتم توعدون نحن أولياؤكم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ولكم فيها ما تشتهي أنفسكم ولكم فيها ما تدعون نزلا من غفور رحيم} [فصلت: 30 -31] . وفي الحديث الصحيح عن البراء بن عازب: أن الملائكة تقول لروح المؤمن: "اخرجي أيتها النفس الطيبة (1) في الجسد الطيب، كنت تعمرينه، اخرجي إلى روح وريحان ورب غير غضبان". وقد تقدم الحديث في سورة "إبراهيم" (2) عند قوله تعالى: {يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ويفعل الله ما يشاء} [إبراهيم: 27] . وقال آخرون: بل المراد بقوله: {يوم يرون الملائكة} يعني: يوم القيامة. قاله مجاهد، والضحاك؛ وغيرهما. ولا منافاة بين هذا وبين ما تقدم، فإن الملائكة في هذين اليومين يوم الممات ويوم المعاد تتجلى للمؤمنين وللكافرين، فتبشر المؤمنين بالرحمة والرضوان، وتخبر الكافرين بالخيبة والخسران، فلا بشرى يومئذ للمجرمين. {ويقولون حجرا محجورا} أي: وتقول الملائكة للكافرين حرام محرم عليكم الفلاح اليوم. وأصل "الحجر": المنع، ومنه يقال: حجر القاضي على فلان، إذا منعه التصرف إما لسفه، أو فلس، أو صغر، أو نحو ذلك. ومنه سمي "الحجر" عند البيت الحرام؛ لأنه يمنع الطواف أن يطوفوا فيه (3) ، وإنما يطاف من ورائه. ومنه يقال للعقل "حجر" (4) ؛ لأنه يمنع صاحبه عن تعاطي ما لا يليق. والغرض أن الضمير في قوله: {ويقولون} عائد على الملائكة. هذا قول مجاهد، وعكرمة، والضحاك، والحسن، وقتادة، وعطية العوفي، وعطاء الخراساني، وخصيف، وغير واحد. واختاره ابن جرير (5) . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو نعيم، حدثنا موسى -يعني ابن قيس …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الملائكة يقولون للمجرمين حجرا محجورا، حراما عليكم اليوم البشرى أن تكون لكم من الله، ومن الحجر قول المتلمس: [البحر البسيط] حنت إلى نخلة القصوى فقلت لها %~% حجر حرام ألا تلك الدهاريس ومنه قولهم: حجر القاضي على فلان، وحجر فلان على أهله ومنه، حجر الكعبة، لأنه لا يدخل إليه في الطواف، وإنما يطاف من ورائه، ومنه قول الآخر: [البحر الكامل]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤٢٧) ↗التحرير والتنوير
والجملة استئناف يتنزل منزلة جواب عن قولهم. والتأكيد بلام القسم لإفادة معنى التعجيب لأن القسم يستعمل في التعجب كقول أحد بني كلاب أو بني نمير أنشده ثعلب في «مجالسه» والقالي في «أماليه» : ألا يا سنا برق على قلل الحمى ... لهنك من برق علي كريم فإن قوله: من برق، في قوة التمييز وإنما يكون التمييز فيه لما فيه من معنى التعجب. والاستكبار: مبالغة في التكبر، فالسين والتاء للمبالغة مثل استجاب. وفي للظرفية المجازية شبهت أنفسهم بالظروف في تمكن المظروف منها، أي هو استكبار متمكن منهم كقوله تعالى: وفي أنفسكم أفلا تبصرون [الذاريات: 21] . ويجوز أن تكون في للتعليل كما في الحديث «دخلت امرأة النار في هرة حبستها» الحديث، أي استكبروا لأجل عظمة أنفسهم في زعمهم. وليست الظرفية حقيقية لقلة جدوى ذلك إذ من المعلوم أن الاستكبار لا يكون إلا في النفس لأنه من الأفعال النفسية. والعتو: تجاوز الحد في الظلم، وتقدم في قوله تعالى: وعتوا عن أمر ربهم في الأعراف [77] . وإنما كان هذا ظلما لأنهم تجاوزوا مقدار ما خولهم الله من القابلية. وفي هذا إيماء إلى أن النبوءة لا تكون بالاكتساب وإنما هي إعداد من الله تعالى قال: الله أعلم حيث يجعل رسالاته [الأنعام: 124] . [22] 22] يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا (22) استئناف ثان جواب عن مقالتهم، فبعد إبداء التعجيب منها عقب بوعيد لهم، فيه حصول بعض ما طلبوا حصوله الآن، أي هم سيرون الملائكة ولكنها رؤية تسوءهم حين يرون زبانية العذاب يسوقونهم إلى النار، ففي هذا الاستئناف تلميح وتهكم بهم لأن ابتداءه مطمع بالاستجابة وآخره مؤيس بالوعيد، فالكلام جرى
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٩/٦) ↗