سورة الفرقان · الآية ٢٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن حالة المشركين وشركائهم يوم القيامة، وتبريهم منهم، وبطلان سعيهم، فقال: { ويوم يحشرهم } أي: المكذبين المشركين { وما يعبدون من دون الله فيقول } الله مخاطبا للمعبودين على وجه التقريع لمن عبدهم: { أأنتم أضللتم عبادي هؤلاء أم هم ضلوا السبيل } هل أمرتموهم بعبادتكم، وزينتم لهم ذلك، أم ذلك من تلقاء أنفسهم؟ { قالوا سبحانك } نزهوا الله عن شرك المشركين به، وبرؤوا أنفسهم من ذلك، { ما كان ينبغي لنآ } أي: لا يليق بنا، ولا يحسن منا، أن نتخذ من دونك من أولياء نتولاهم، ونعبدهم وندعوهم، فإذا كنا محتاجين ومفتقرين إلى عبادتك، متبرئين من عبادة غيرك، فكيف نأمر أحدا بعبادتنا؟ هذا لا يكون. أو، سبحانك عن { أن نتخذ من دونك من أوليآء } وهذا كقول المسيح عيسى بن مريم عليه السلام: وإذ قال الله يعيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين من دون الله قال سبحانك ما يكون لي أن أقول ما ليس لي بحق إن كنت قلته فقد علمته تعلم ما في نفسي ولا أعلم ما في نفسك إنك أنت علام الغيوب * ما قلت لهم إلا مآ أمرتني به أن اعبدوا الله ربي وربكم الآية [المائدة: 116-117]. وقال تعالى: ويوم يحشرهم جميعا ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون * قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون [سبأ: 40-41] وإذا حشر الناس كانوا لهم أعدآء وكانوا بعبادتهم كافرين [الأحقاف: 6] فلما نزهوا أنفسهم، أن يدعوا لعبادة غير الله، أو يكونوا أضلوهم، ذكروا السبب الموجب لإضلال المشركين فقالوا: { ولكن متعتهم وآبآءهم } في لذات الدنيا وشهواتها، ومطالبها النفسية، { حتى نسوا الذكر } اشتغالا في لذات الدنيا، وإكبابا على شهواتها، فحافظوا على دنياهم، وضيعوا دينهم { وكانوا قوما بورا } أي: بائرين لا خير فيهم، ولا يصلحون لصالح، لا يصلحون إلا للهلاك والبوار، فذكروا المانع من اتباعهم الهدى، وهو التمتع في الدنيا، الذي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وأبتليهم (1) بهم. وفي صحيح مسلم عن عياض بن حمار، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يقول الله: إني مبتليك، ومبتل بك" (2) . وفي المسند عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "لو شئت لأجرى الله معي جبال الذهب والفضة"، وفي الصحيح أنه -عليه أفضل الصلاة والسلام -خير بين أن يكون نبيا ملكا أو عبدا رسولا فاختار أن يكون عبدا رسولا. يقول تعالى مخبرا عن تعنت الكفار في كفرهم، وعنادهم في قولهم: {لولا أنزل علينا الملائكة} (1) أي: بالرسالة كما نزل (2) على الأنبياء، كما أخبر عنهم تعالى في الآية الأخرى: {قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله} [الأنعام: 124] ، ويحتمل أن يكون مرادهم هاهنا: {لولا أنزل علينا الملائكة} فنراهم عيانا، فيخبرونا أن محمدا رسول الله، كقولهم (3) : {أو تأتي بالله والملائكة قبيلا} [الإسراء: 92] . وقد تقدم تفسيرها في سورة "سبحان"؛ ولهذا قال (4) : {أو نرى ربنا} ولهذا قال الله تعالى: {لقد استكبروا في أنفسهم وعتوا عتوا كبيرا} . وقد قال [الله] (5) تعالى: {ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قبلا ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله ولكن أكثرهم يجهلون} [الأنعام: 111] . وقوله: {يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ للمجرمين ويقولون حجرا محجورا} أي: هم لا يرون الملائكة في يوم خير لهم، بل يوم يرون الملائكة لا بشرى يومئذ لهم (6) ، وذلك يصدق على وقت الاحتضار حين تبشرهم الملائكة بالنار، وغضب الجبار، فتقول الملائكة للكافر عند خروج روحه: اخرجي أيتها النفس الخبيثة في الجسد الخبيث، اخرجي إلى سموم وحميم، وظل من يحموم. فتأبى الخروج وتتفرق في البدن (7) ، فيضربونه، كما قال الله تعالى: {ولو ترى إذ يتوفى الذين كفروا الملائكة يضربون وجوههم وأدبارهم} [الأنفال: 50] . وقال: {ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت والملائكة باسطو أيديهم} أي: بالضرب، {أخرجوا أنفسكم اليوم تجزون عذاب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وجواب لهم عنه، يقول لهم جل ثناؤه: وما أنكر يا محمد هؤلاء القائلون: ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق، من أكلك الطعام، ومشيك في الأسواق، وأنت لله رسول؛ فقد علموا أنا ما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق كالذي تأكل أنت وتمشي، فليس لهم عليك بما قالوا من ذلك حجة. فإن قال قائل: فإن «من» ليست في التلاوة، فكيف قلت معنى الكلام: إلا من إنهم ليأكلون الطعام؟ قيل: قلنا في ذلك معناه: أن الهاء والميم في قوله: {إنهم} [البقرة: 12] ، كناية أسماء لم تذكر، ولا بد لها من أن تعود على من كني عنه بها، وإنما ترك ذكر «من» وإظهاره في الكلام اكتفاء بدلالة قوله: {من المرسلين} [الأعراف: 77] عليه، كما اكتفى في قوله: {وما منا إلا له مقام معلوم} [الصافات: 164]، من إظهار «من» ولا شك أن معنى ذلك: وما منا إلا من له مقام معلوم، كما قيل: {وإن منكم إلا واردها} [مريم: 71]، ومعناه: وإن منكم إلا من هو واردها؛ فقوله: {إنهم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤٢٣) ↗التحرير والتنوير
وقد أوردوا طعنهم في نبوءة النبيء صلى الله عليه وسلم بصيغة الاستفهام عن الحالة المختصة به إذ أوردوا اسم الاستفهام ولام الاختصاص والجملة الحالية التي مضمونها مثار الاستفهام. والاستفهام تعجيبي مستعمل في لازمه وهو بطلان كونه رسولا بناء على أن التعجب من الدعوى يقتضي استحالتها أو بطلانها. وتركيب ما لهذا ونحوه يفيد الاستفهام عن أمر ثابت له، فاسم الاستفهام مبتدأ ولهذا خبر عنه فمثار الاستفهام في هذه الآية هو ثبوت حال أكل الطعام والمشي في الأسواق للذي يدعي الرسالة من الله. فجملة: يأكل الطعام جملة حال. وقولهم: لهذا الرسول أجروا عليه وصف الرسالة مجاراة منهم لقوله وهم لا يؤمنون به ولكنهم بنوا عليه ليتأتى لهم التعجب والمراد منه الإحالة والإبطال. والإشارة إلى حاضر في الذهن، وقد بين الإشارة ما بعدها من اسم معرف بلام العهد وهو الرسول. وكنوا بأكل الطعام والمشي في الأسواق عن مماثلة أحواله لأحوال الناس تذرعا منهم إلى إبطال كونه رسولا لزعمهم أن الرسول عن الله تكون أحواله غير مماثلة لأحوال الناس، وخصوا أكل الطعام والمشي في الأسواق لأنهما من الأحوال المشاهدة المتكررة، ورد الله عليهم قولهم هذا بقوله: وما أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق [الفرقان: 20] . ثم انتقلوا إلى اقتراح أشياء تؤيد رسالته فقالوا: لولا أنزل إليه ملك فيكون معه نذيرا. وخصوا من أحوال الرسول حال النذارة لأنها التي أنبتت حقدهم عليه. و (لولا) حرف تحضيض مستعمل في التعجيز، أي لو أنزل إليه ملك لا تبعناه. وانتصب (فيكون) على جواب التحضيض. و (أو) للتخيير في دلائل الرسالة في وهمهم.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٣٢٧) ↗