سورة الفرقان · الآية ١٠
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا من مقالة المكذبين للرسول، الذين قدحوا بها في رسالته، وهو أنهم اعترضوا بأنه: هلا كان ملكا أو ملكا، أو يساعده ملك، فقالوا: { مال هذا الرسول } أي: ما لهذا الذي ادعى الرسالة؟ تهكما منهم واستهزاء. { يأكل الطعام } وهذا من خصائص البشر، فهلا كان ملكا لا يأكل الطعام، ولا يحتاج إلى ما يحتاج إليه البشر، { ويمشي في الأسواق } للبيع والشراء، وهذا - بزعمهم - لا يليق بمن يكون رسولا مع أن الله قال: ومآ أرسلنا قبلك من المرسلين إلا إنهم ليأكلون الطعام ويمشون في الأسواق [الفرقان: 20]. { لولا أنزل إليه ملك } أي: هلا أنزل معه ملك يساعده ويعاونه، { فيكون معه نذيرا } وبزعمهم أنه غير كاف للرسالة ولا بطوقه وقدرته القيام بها. { أو يلقى إليه كنز } أي: مال مجموع من غير تعب، { أو تكون له جنة يأكل منها } فيستغني بذلك عن مشيه في الأسواق لطلب الرزق. { وقال الظالمون } حملهم على القول، ظلمهم لا اشتباه منهم، { إن تتبعون إلا رجلا مسحورا } هذا، وقد علموا كمال عقله وحسن حديثه، وسلامته من جميع المطاعن. ولما كانت هذه الأقوال منهم، عجيبة جدا، قال تعالى: { انظر كيف ضربوا لك الأمثال } وهي: أنه هلا كان ملكا، وزالت عنه خصائص البشر؟ أو معه ملك، لأنه غير قادر على ما قال، أو أنزل عليه كنز، أو جعلت له جنة تغنيه عن المشي في الأسواق، أو أنه كان مسحورا. { فضلوا فلا يستطيعون سبيلا } قالوا أقوالا متناقضة، كلها جهل وضلال وسفه، ليس في شيء منها هداية، بل ولا في شيء منها أدنى شبهة تقدح في الرسالة، فبمجرد النظر إليها وتصورها، يجزم العاقل ببطلانها، ويكفيه عن ردها، ولهذا أمر تعالى بالنظر إليها وتدبرها والنظر: هل توجب التوقف عن الجزم للرسول بالرسالة والصدق؟ ولهذا أخبر أنه قادر على أن يعطيك خيرا كثيرا في الدنيا فقال: { تبارك الذي إن شآء جعل لك خيرا من ذلك } أي: خيرا مما قالوا، ثم فسره بقوله: { جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… الحكمة في ترك ذلك، وله الحجة البالغة {وقال الظالمون إن تتبعون إلا رجلا مسحورا} . قال الله تعالى: {انظر كيف ضربوا لك الأمثال} أي: جاءوا بما يقذفونك به ويكذبون به عليك، من قولهم "ساحر، مسحور، مجنون، كذاب، شاعر" وكلها أقوال باطلة، كل أحد ممن له أدنى فهم وعقل يعرف كذبهم وافتراءهم في ذلك؛ ولهذا قال: {فضلوا} أي: عن طريق الهدى، {فلا يستطيعون سبيلا} وذلك لأن كل من خرج عن الحق فإنه ضال حيثما توجه؛ لأن الحق واحد ومنهج متحد، يصدق بعضه بعضا. ثم قال تعالى مخبرا نبيه أنه لو شاء لآتاه خيرا مما يقولون في الدنيا وأفضل وأحسن، فقال [تعالى] (3) {تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا} . قال مجاهد: يعني: في الدنيا، قال: وقريش يسمون كل بيت من حجارة قصرا، سواء كان كبيرا أو صغيرا (4) . وقال سفيان الثوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عن خيثمة؛ قيل للنبي صلى الله عليه وسلم: إن شئت أن نعطيك خزائن الأرض ومفاتيحها ما لم يعط نبي قبلك، ولا يعطى أحد من بعدك، ولا ينقص ذلك مما لك عند الله؟ فقال: اجمعوها لي في الآخرة، فأنزل الله عز وجل في ذلك: {تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا} (5) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٩٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الأشباه بقولهم لك: هو مسحور، فضلوا بذلك عن قصد السبيل، وأخطئوا طريق الهدى والرشاد {فلا يستطيعون} [الإسراء: 48] يقول: فلا يجدون {سبيلا} [آل عمران: 97] إلى الحق، إلا فيما بعثتك به، ومن الوجه الذي ضلوا عنه. PageEndV17P405 وبنحو الذي قلنا في تأويل ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٤٠٤) ↗التحرير والتنوير
وقوله: انظر مستعار لمعنى العلم تشبيها للأمر المعقول بالأمر المرئي لشدة وضوحه. و (كيف) اسم للكيفية والحالة مجرد هنا عن معنى الاستفهام. وفرع على هذا التعجيب إخبار عنهم بأنهم ضلوا في تلفيق المطاعن في رسالة الرسول فسلكوا طرائق لا تصل بهم إلى دليل مقنع على مرادهم، ففعل ضلوا مستعمل في معنييه المجازيين هما: معنى عدم التوفق في الحجة، ومعنى عدم الوصول للدين الحق، وهو هنا تعجيب من خطلهم وإعراض عن مجاوبتهم. [10] 10] تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك جنات تجري من تحتها الأنهار ويجعل لك قصورا (10) ابتدئت السورة بتعظيم الله وثنائه على أن أنزل الفرقان على رسوله، وأعقب ذلك بما تلقى به المشركون هذه المزية من الجحود والإنكار الناشئ عن تمسكهم بما اتخذوه من آلهة من صفاتهم ما ينافي الإلهية، ثم طعنوا في القرآن والذي جاء به بما هو كفران للنعمة ومن جاء بها. فلما أريد الإعراض عن باطلهم والإقبال على خطاب الرسول بتثبيته وتثبيت المؤمنين أعيد اللفظ الذي ابتدئت به السورة على طريقة وصل الكلام بقوله: تبارك الذي إن شاء جعل لك خيرا من ذلك. وهذه الجملة استئناف واقع موقع الجواب عن قولهم أو تكون له جنة [الفرقان: 8] إلخ، أي إن شاء جعل لك خيرا من الذي اقترحوه، أي أفضل منه، أي إن شاء عجله لك في الدنيا، فالإشارة إلى المذكور من قولهم، فيجوز أن يكون المراد بالجنات والقصور جنات في الدنيا وقصورا فيها، أي خيرا من الذي اقترحوه دليلا على صدقك في زعمهم بأن تكون عدة جنات وفيها قصور. وبهذا فسر
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٣٣٠) ↗