سورة النور · الآية ٥
﴿إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَٰلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما عظم تعالى أمر الزاني بوجوب جلده، وكذا رجمه إن كان محصنا، وأنه لا تجوز مقارنته، ولا مخالطته على وجه لا يسلم فيه العبد من الشر، بين تعالى تعظيم الإقدام على الأعراض بالرمي بالزنا فقال: { والذين يرمون المحصنات } أي: النساء الأحرار العفائف، وكذاك الرجال، لا فرق بين الأمرين، والمراد بالرمي الرمي بالزنا، بدليل السياق، { ثم لم يأتوا } على ما رموا به { بأربعة شهدآء } أي: رجال عدول، يشهدون بذلك صريحا، { فاجلدوهم ثمانين جلدة } بسوط متوسط، يؤلم فيه، ولا يبالغ بذلك حتى يتلفه، لأن القصد التأديب لا الإتلاف، وفي هذا تقدير حد القذف، ولكن بشرط أن يكون المقذوف كما قال تعالى محصنا مؤمنا، وأما قذف غير المحصن، فإنه يوجب التعزير. { ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا } أي: لهم عقوبة أخرى، وهو أن شهادة القاذف غير مقبولة، ولو حد على القذف، حتى يتوب كما يأتي، { وأولئك هم الفاسقون } أي: الخارجون عن طاعة الله، الذين قد كثر شرهم، وذلك لانتهاك ما حرم الله، وانتهاك عرض أخيه، وتسليط الناس على الكلام بما تكلم به، وإزالة الأخوة التي عقدها الله بين أهل الإيمان، ومحبة أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا، وهذا دليل على أن القذف من كبائر الذنوب. وقوله: { إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم } فالتوبة في هذا الموضع، أن يكذب القاذف نفسه، ويقر أنه كاذب فيما قال، وهو واجب عليه، أن يكذب نفسه ولو تيقن وقوعه، حيث لم يأت بأربعة شهداء، فإذا تاب القاذف وأصلح عمله وبدل إساءته إحسانا، زال عنه الفسق، وكذلك تقبل شهادته على الصحيح، فإن الله غفور رحيم يغفر الذنوب جميعا، لمن تاب وأناب، وإنما يجلد القاذف، إذا لم يأت بأربعة شهداء إذا لم يكن زوجا، فإن كان زوجا، فقد ذكر بقوله: { والذين يرمون أزواجهم ولم يكن لهم شهدآء... }.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: النور ٤–٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم ندم، فأرسل إلى قومه: أن سلوا لي (1) رسول الله صلى الله عليه وسلم: هل لي من توبة؟ قال: فنزلت: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} إلى قوله: { [إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا] (2) فإن الله غفور رحيم} . وهكذا رواه النسائي، وابن حبان، والحاكم، من طريق داود بن أبي هند، به. وقال الحاكم: صحيح الإسناد ولم يخرجاه (3) . وقال عبد الرزاق: أخبرنا جعفر بن سليمان، حدثنا حميد الأعرج، عن مجاهد قال: جاء الحارث بن سويد فأسلم مع النبي صلى الله عليه وسلم، ثم كفر الحارث فرجع إلى قومه فأنزل الله فيه: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم} إلى قوله: { [إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله] (4) غفور رحيم} قال: فحملها إليه رجل من قومه فقرأها عليه. فقال الحارث: إنك والله ما علمت لصدوق، وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصدق منك، وإن الله لأصدق الثلاثة. قال: فرجع الحارث فأسلم فحسن إسلامه (5) . فقوله تعالى: {كيف يهدي الله قوما كفروا بعد إيمانهم وشهدوا أن الرسول حق وجاءهم البينات} أي: قامت عليهم الحجج والبراهين على صدق ما جاءهم به الرسول، ووضح لهم الأمر، ثم ارتدوا إلى ظلمة الشرك، فكيف يستحق هؤلاء الهداية بعد ما تلبسوا به من العماية؛ ولهذا قال: {والله لا يهدي القوم الظالمين} ثم قال: {أولئك جزاؤهم أن عليهم لعنة الله والملائكة والناس أجمعين} أي: يلعنهم الله ويلعنهم خلقه {خالدين فيها} أي: في اللعنة {لا يخفف عنهم العذاب ولا هم ينظرون} أي: لا يفتر عنهم العذاب ولا يخفف عنهم ساعة واحدة. ثم قال تعالى: {إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} وهذا من لطفه وبره ورأفته ورحمته وعائدته على خلقه: أنه من تاب إليه تاب عليه. يقول تعالى متوعدا ومتهددا لمن كفر بعد إيمانه ثم ازداد كفرا، أي: استمر عليه إلى الممات، ومخبرا بأنه لا يقبل لهم توبة عند مماتهم، كما قال [تعالى] (6) {وليست التوبة للذين …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم} [آل عمران: 87] اختلف أهل التأويل فيمن عنى بهذه الآية، وفيمن نزلت، فقال بعضهم: نزلت في الحارث بن سويد الأنصاري، وكان مسلما، فارتد بعد إسلامه
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ٥/٥٥٧) ↗التحرير والتنوير
5] والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأولئك هم الفاسقون (4) إلا الذين تابوا من بعد ذلك وأصلحوا فإن الله غفور رحيم (5) كان فاشيا في الجاهلية رمي بعضهم بعضا بالزنى إذا رأوا بين النساء والرجال تعارفا أو محادثة. وكان فاشيا فيهم الطعن في الأنساب بهتانا إذا رأوا قلة شبه بين الأب والابن، فكان مما يقترن بحكم حد الزنى أن يذيل بحكم الذين يرمون المحصنات بالزنى إذا كانوا غير أزواجهن وهو حد القذف. وقد تقدم وجه الاقتران بالفاء في قوله: الزانية والزاني فاجلدوا [النور: 2] الآية. والرمي حقيقته: قذف شيء من اليد. وشاع استعماله في نسبة فعل أو وصف إلى شخص. وتقدم في قوله تعالى: ثم يرم به بريئا في سورة النساء [112] . وحذف المرمي به في هذه الآية لظهور المقصود بقرينة السياق وذكر المحصنات. والمحصنات: هن المتزوجات من الحرائر. والإحصان: الدخول بزوج بعقد نكاح. والمحصن: اسم مفعول من أحصن الشيء إذا منعه من الإضاعة واستيلاء الغير عليه، فالزوج يحصن امرأته، أي يمنعها من الإهمال واعتداء الرجال. وهذا كتسمية الأبكار مخدرات ومقصورات، وتقدم في سورة النساء. ولا يطلق وصف المحصنات إلا على الحرائر المتزوجات دون الإماء لعدم صيانتهن في عرف الناس قبل الإسلام. وحذف متعلق الشهادة لظهور أنهم شهداء على إثبات ما رمى به القاذف، أي إثبات وقوع الزنى بحقيقته المعتد بها شرعا، ومن البين
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/١٥٨) ↗