سورة النور · الآية ١٦
﴿وَلَوْلَا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَتَكَلَّمَ بِهَٰذَا سُبْحَانَكَ هَٰذَا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم } إلى آخر الآيات وهو قوله: { لهم مغفرة ورزق كريم } لما ذكر فيما تقدم، تعظيم الرمي بالزنا عموما، صار ذلك كأنه مقدمة لهذه القصة، التي وقعت على أشرف النساء، أم المؤمنين رضي الله عنها، وهذه الآيات، نزلت في قصة الإفك المشهورة، الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد. وحاصلها أن النبي صلى الله عليه وسلم، في بعض غزواته، ومعه زوجته عائشة الصديقة بنت الصديق، فانقطع عقدها فانحبست في طلبه ورحلوا جملها وهودجها، فلم يفقدوها، ثم استقل الجيش راحلا، وجاءت مكانهم، وعلمت أنهم إذا فقدوها، رجعوا إليها فاستمروا في مسيرهم، وكان صفوان بن المعطل السلمي، من أفاضل الصحابة رضي الله عنه، قد عرس في أخريات القوم ونام، فرأى عائشة رضي الله عنها فعرفها، فأناخ راحلته، فركبتها من دون أن يكلمها أو تكلمه، ثم جاء يقود بها بعد ما نزل الجيش في الظهيرة، فلما رأى بعض المنافقين الذين في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، في ذلك السفر مجيء صفوان بها في هذه الحال، أشاع ما أشاع، ووشى الحديث، وتلقفته الألسن، حتى اغتر بذلك بعض المؤمنين، وصاروا يتناقلون هذا الكلام، وانحبس الوحي مدة طويلة عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وبلغ الخبر عائشة بعد ذلك بمدة، فحزنت حزنا شديدا، فأنزل الله تعالى براءتها في هذه الآيات، ووعظ الله المؤمنين، وأعظم ذلك، ووصاهم بالوصايا النافعة. فقوله تعالى: { إن الذين جآءوا بالإفك } أي: الكذب الشنيع، وهو رمي أم المؤمنين { عصبة منكم } أي: جماعة منتسبون إليكم يا معشر المؤمنين، منهم المؤمن الصادق [في إيمانه ولكنه اغتر بترويج المنافقين] ومنهم المنافق. { لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم } لما تضمن ذلك تبرئة أم المؤمنين ونزاهتها، والتنويه بذكرها، حتى تناول عموم المدح سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ولما تضمن من بيان الآيات المضطر إليها العباد، التي ما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
إن الرجل ليتكلم بالكلمة من سخط الله، لا يدري ما تبلغ، يهوي بها في النار أبعد ما بين السماء والأرض" وفي رواية: "لا يلقي لها بالا" (1) . هذا تأديب آخر بعد الأول: الأمر بالظن خيرا أي: إذا ذكر ما لا يليق من القول في شأن الخيرة (2) فأولى ينبغي الظن بهم خيرا، وألا يشعر نفسه سوى ذلك، ثم إن علق بنفسه شيء من ذلك -وسوسة أو خيالا -فلا ينبغي أن يتكلم به، فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به أنفسها (3) ما لم تقل أو تعمل" أخرجاه في الصحيحين (4) . وقال الله تعالى: {ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا} أي: ما ينبغي لنا أن نتفوه بهذا الكلام ولا نذكره لأحد {سبحانك هذا بهتان عظيم} أي: سبحان الله أن يقال هذا الكلام على (5) زوجة [نبيه و] (6) رسوله وحليلة خليله. ثم قال تعالى: {يعظكم الله أن تعودوا لمثله أبدا} أي: ينهاكم الله متوعدا أن يقع منكم ما يشبه هذا أبدا، أي: فيما يستقبل. فلهذا قال: {إن كنتم مؤمنين} أي: إن كنتم تؤمنون بالله وشرعه، وتعظمون رسوله صلى الله عليه وسلم، فأما من كان متصفا بالكفر فذاك له حكم آخر. ثم قال: {ويبين الله لكم الآيات} أي: يوضح لكم الأحكام الشرعية والحكم القدرية، {والله عليم حكيم} أي: عليم بما يصلح عباده، حكيم في شرعه وقدره. وهذا تأديب ثالث لمن سمع شيئا من الكلام السيئ، فقام بذهنه منه شيء، وتكلم به، فلا يكثر منه ويشيعه ويذيعه، فقد قال تعالى (7) : {إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا} أي: يختارون ظهور الكلام عنهم بالقبيح، {لهم عذاب أليم في الدنيا} أي: بالحد، وفي الآخرة بالعذاب، {والله يعلم وأنتم لا تعلمون} أي: فردوا الأمور إليه ترشدوا. وقال الإمام أحمد: حدثنا محمد بن بكر، حدثنا ميمون بن أبي محمد المرئي، حدثنا محمد بن عباد المخزومي، عن ثوبان، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تؤذوا عباد الله ولا تعيروهم، ولا تطلبوا
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٦/٢٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
{سبحانك هذا بهتان عظيم} [النور: 16] تنزيها لك يا رب، وبراءة إليك مما جاء به هؤلاء؛ {هذا بهتان عظيم} [النور: 16] يقول: هذا القول بهتان عظيم
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٢١٨) ↗التحرير والتنوير
لهم وازع من الدين يرعهم فلذلك هم يحذرون الناس فلا يعتدون عليهم باليد وبالسب خشية منهم فإذا خلوا أمنوا من ذلك. فهذا سبب حسبانهم الحديث في الإفك شيئا هينا وقد جاء الإسلام بإزالة مساوي الجاهلية وإتمام مكارم الأخلاق. والهين: مشتق من الهوان، وهوان الشيء عدم توقيره والمبالاة بشأنه، يقال: هان على فلان كذا، أي لم يعد ذلك أمرا مهما، والمعنى: شيئا هينا. وإنما حسبوه هينا مع أن الحد ثابت قبل نزول الآية بحسب ظاهر ترتيب الآي في قوله تعالى: والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم [النور: 4] الآية لجواز أنه لم تحدث قضية قذف فيما بين نزول تلك الآية ونزول هذه الآية، أو حدثت قضية عويمر العجلاني ولم يعلم بها أصحاب الإفك، أو حسبوه هينا لغفلتهم عما تقدم من حكم الحد إذ كان العهد به حديثا. وفيه من أدب الشريعة أن احترام القوانين الشرعية يجب أن يكون سواء في الغيبة والحضرة والسر والعلانية. ومعنى: عند الله في علم الله مما شرعه لكم من الحكم كما تقدم آنفا في قوله تعالى: فأولئك عند الله هم الكاذبون [النور: 13] . [16] ولولا إذ سمعتموه قلتم ما يكون لنا أن نتكلم بهذا سبحانك هذا بهتان عظيم (16) عطف على جملة: لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون [النور: 12] إلخ. وأعيدت (لولا) وشرطها وجوابها لزيادة الاهتمام بالجملة فلذلك لم يعطف قلتم الذي في هذه الجملة على قلتم الذي في الجملة قبلها لقصد أن يكون صريحا في عطف الجمل. وتقديم الظرف وهو إذ سمعتموه على عامله وهو قلتم ما يكون لنا كتقديم نظيره في قوله: لولا إذ سمعتموه ظن المؤمنون [النور: 12] إلخ وهو الاهتمام بمدلول الظرف.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/١٧٩) ↗