سورة النور · الآية ١٥
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَا لَيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّنًا وَهُوَ عِنْدَ اللَّهِ عَظِيمٌ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ إن الذين جآءوا بالإفك عصبة منكم لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم } إلى آخر الآيات وهو قوله: { لهم مغفرة ورزق كريم } لما ذكر فيما تقدم، تعظيم الرمي بالزنا عموما، صار ذلك كأنه مقدمة لهذه القصة، التي وقعت على أشرف النساء، أم المؤمنين رضي الله عنها، وهذه الآيات، نزلت في قصة الإفك المشهورة، الثابتة في الصحاح والسنن والمسانيد. وحاصلها أن النبي صلى الله عليه وسلم، في بعض غزواته، ومعه زوجته عائشة الصديقة بنت الصديق، فانقطع عقدها فانحبست في طلبه ورحلوا جملها وهودجها، فلم يفقدوها، ثم استقل الجيش راحلا، وجاءت مكانهم، وعلمت أنهم إذا فقدوها، رجعوا إليها فاستمروا في مسيرهم، وكان صفوان بن المعطل السلمي، من أفاضل الصحابة رضي الله عنه، قد عرس في أخريات القوم ونام، فرأى عائشة رضي الله عنها فعرفها، فأناخ راحلته، فركبتها من دون أن يكلمها أو تكلمه، ثم جاء يقود بها بعد ما نزل الجيش في الظهيرة، فلما رأى بعض المنافقين الذين في صحبة النبي صلى الله عليه وسلم، في ذلك السفر مجيء صفوان بها في هذه الحال، أشاع ما أشاع، ووشى الحديث، وتلقفته الألسن، حتى اغتر بذلك بعض المؤمنين، وصاروا يتناقلون هذا الكلام، وانحبس الوحي مدة طويلة عن الرسول صلى الله عليه وسلم. وبلغ الخبر عائشة بعد ذلك بمدة، فحزنت حزنا شديدا، فأنزل الله تعالى براءتها في هذه الآيات، ووعظ الله المؤمنين، وأعظم ذلك، ووصاهم بالوصايا النافعة. فقوله تعالى: { إن الذين جآءوا بالإفك } أي: الكذب الشنيع، وهو رمي أم المؤمنين { عصبة منكم } أي: جماعة منتسبون إليكم يا معشر المؤمنين، منهم المؤمن الصادق [في إيمانه ولكنه اغتر بترويج المنافقين] ومنهم المنافق. { لا تحسبوه شرا لكم بل هو خير لكم } لما تضمن ذلك تبرئة أم المؤمنين ونزاهتها، والتنويه بذكرها، حتى تناول عموم المدح سائر زوجات النبي صلى الله عليه وسلم، ولما تضمن من بيان الآيات المضطر إليها العباد، التي ما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول [الله] (1) : {ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والآخرة} أيها الخائضون في شأن عائشة، بأن قبل توبتكم وإنابتكم إليه في الدنيا، وعفا عنكم لإيمانكم بالنسبة إلى الدار الآخرة، {لمسكم في ما أفضتم فيه} ، من قضية الإفك، {عذاب عظيم} . وهذا فيمن عنده إيمان رزقه الله بسببه التوبة إليه، كمسطح، وحسان، وحمنة بنت جحش، أخت زينب بنت جحش. فأما من خاض فيه من المنافقين كعبد الله بن أبي بن سلول وأضرابه، فليس أولئك مرادين في هذه الآية؛ لأنه ليس عندهم من الإيمان والعمل الصالح ما يعادل هذا ولا ما يعارضه. وهكذا شأن ما يرد من الوعيد على فعل معين، يكون مطلقا مشروطا بعدم التوبة، أو ما يقابله من عمل صالح يوازنه أو يرجح عليه. ثم قال تعالى: {إذ تلقونه بألسنتكم} قال مجاهد، وسعيد بن جبير: أي: يرويه بعضكم عن بعض، يقول هذا: سمعته من فلان، وقال فلان كذا، وذكر بعضهم كذا. وقرأ آخرون " إذ تلقونه بألسنتكم ". وفي صحيح البخاري عن عائشة: أنها كانت تقرؤها كذلك (2) وتقول: هو من ولق القول. يعني: الكذب الذي يستمر صاحبه عليه (3) ، تقول العرب: ولق فلان في السير: إذا استمر فيه (4) ، والقراءة الأولى أشهر، وعليها الجمهور، ولكن الثانية مروية عن أم المؤمنين عائشة. قال ابن أبي حاتم: حدثنا أبو سعيد الأشج، حدثنا أبو أسامة، عن نافع بن عمر (5) ، عن ابن أبي مليكة، [عن عائشة أنها كانت تقرأ: " إذ تلقونه " وتقول: إنما هو ولق القول -والولق: الكذب. قال ابن أبي مليكة (6) ] : هي أعلم به من غيرها. وقوله: {وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم} أي: تقولون ما لا تعلمون. ثم قال تعالى: {وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم} أي: تقولون ما تقولون في شأن أم المؤمنين، وتحسبون ذلك يسيرا [سهلا] (7) ولو لم تكن زوجة النبي صلى الله عليه وسلم لما كان هينا، فكيف وهي زوجة النبي الأمي، خاتم الأنبياء وسيد المرسلين، فعظيم عند الله أن يقال في زوجة رسوله ما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الإفك الذي جاءت به العصبة من أهل الإفك، فتقبلونه، ويرويه بعضكم عن بعض؛ يقال: تلقيت هذا الكلام عن فلان، بمعنى أخذته منه؛ وقيل ذلك لأن الرجل منهم فيما ذكر يلقى آخر فيقول: أو ما بلغك كذا وكذا عن عائشة؟ ليشيع عليها بذلك الفاحشة. وذكر أنها في قراءة أبي: «إذ تتلقونه» بتاءين، وعليها قراءة الأمصار، غير أنهم قرءوها: {تلقونه} [النور: 15] بتاء واحدة، لأنها كذلك في مصاحفهم. وقد روي عن عائشة في ذلك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٢١٥) ↗التحرير والتنوير
عنهم بالتوبة. والخطاب للمؤمنين دون رأس المنافقين. وهذه الآية تؤيد ما عليه الأكثر أن النبيء صلى الله عليه وسلم لم يحد حد القذف أحدا من العصبة الذين تكلموا في الإفك. وهو الأصح من الروايات: إما لعفو عائشة وصفوان، وإما لأن كلامهم في الإفك كان تخافتا وسرارا ولم يجهروا به ولكنهم أشاعوه في أوساطهم ومجالسهم. وهذا الذي يشعر به حديث عائشة في الإفك في «صحيح البخاري» وكيف سمعت الخبر من أم مسطح وقولها: أو قد تحدث بهذا وبلغ النبيء وأبوي؟!. وقيل: حد حسان ومسطحا وحمنة، قاله ابن إسحاق وجماعة، وأما عبد الله بن أبي فقال فريق: إنه لم يحد حد القذف تأليفا لقلبه للإيمان. وعن ابن عباس أن أبيا جلد حد القذف أيضا. والإفاضة في القول مستعار من إفاضة الماء في الإناء، أي كثرته فيه. فالمعنى: ما أكثرتم القول فيه والتحدث به بينكم. [15] 15] إذ تلقونه بألسنتكم وتقولون بأفواهكم ما ليس لكم به علم وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم (15) إذ ظرف متعلق ب أفضتم [النور: 14] والمقصود منه ومن الجملة المضاف هو إليها استحضار صورة حديثهم في الإفك وبتفظيعها. وأصل تلقونه تتلقونه بتاءين حذفت إحداهما. وأصل التلقي أنه التكلف للقاء الغير، وتقدم في قوله تعالى: فتلقى آدم من ربه كلمات [البقرة: 37] أي علمها ولقنها، ثم يطلق التلقي على أخذ شيء باليد من يد الغير كما قال الشماخ: إذا ما راية رفعت لمجد ... تلقاها عرابة باليمين وفي الحديث: «من تصدق بصدقة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا طيبا تلقاها الرحمن بيمينه..» الحديث، وذلك بتشبيه التهيؤ لأخذ المعطى
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/١٧٧) ↗