سورة المؤمنون · الآية ٦٣
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ بل قلوبهم في غمرة من هذا ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون * حتى إذآ أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون * لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون * قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون * مستكبرين به سامرا تهجرون } يخبر تعالى أن قلوب المكذبين في غمرة من هذا، أي: وسط غمرة من الجهل والظلم، والغفلة والإعراض، تمنعهم من الوصول إلى هذا القرآن، فلا يهتدون به، ولا يصل إلى قلوبهم منه شيء. وإذا قرأت القرآن جعلنا بينك وبين الذين لا يؤمنون بالآخرة حجابا مستورا * وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي ءاذانهم وقرا [الإسراء: 45-46] فلما كانت قلوبهم في غمرة منه، عملوا بحسب هذا الحال، من الأعمال الكفرية، والمعاندة للشرع، ما هو موجب لعقابهم، { و } لكن { لهم أعمال من دون } هذه الأعمال { هم لها عاملون } أي: فلا يستغربوا عدم وقوع العذاب فيهم، فإن الله يمهلهم ليعملوا هذه الأعمال، التي بقيت عليهم مما كتب عليهم، فإذا عملوها واستوفوها انتقلوا بشر حالة إلى غضب الله وعقابه. { حتى إذآ أخذنا مترفيهم } أي: متنعميهم، الذين ما اعتادوا إلا الترف والرفاهية والنعيم، ولم تحصل لهم المكاره، فإذا أخذناهم { بالعذاب } ووجدوا مسه { إذا هم يجأرون } يصرخون ويتوجعون، لأنه أصابهم أمر خالف ما هم عليه، ويستغيثون، فيقال لهم: { لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون } وإذا لم تأتهم النصرة من الله، وانقطع عنهم الغوث من جانبه، لم يستطيعوا نصر أنفسهم، ولم ينصرهم أحد. فكأنه قيل: ما السبب الذي أوصلهم إلى هذا الحال؟ قال: { قد كانت آياتي تتلى عليكم } لتؤمنوا بها وتقبلوا عليها، فلم تفعلوا ذلك، بل { كنتم على أعقابكم تنكصون } أي: راجعين القهقرى إلى الخلف، وذلك لأن باتباعهم القرآن يتقدمون، وبالإعراض عنه يستأخرون وينزلون إلى أسفل سافلين. { مستكبرين به سامرا تهجرون } قال المفسرون معناه: مستكبرين به، الضمير يعود إلى البيت، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال منكرا على الكفار والمشركين من قريش: {بل قلوبهم في غمرة} أي: غفلة وضلالة {من هذا} أي: القرآن الذي أنزله [الله تعالى] (1) على رسوله صلى الله عليه وسلم. وقوله: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون} : قال الحكم (2) بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: {ولهم أعمال} أي: سيئة من دون ذلك، يعني: الشرك، {هم لها عاملون} قال: لا بد أن يعملوها. كذا روي عن مجاهد، والحسن، وغير واحد. وقال آخرون: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون} أي: قد كتب عليهم أعمال سيئة لا بد أن يعملوها قبل موتهم لا محالة، لتحق عليهم كلمة العذاب. وروي نحو هذا عن مقاتل بن حيان والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهو ظاهر قوي حسن. وقد قدمنا في حديث ابن مسعود: "فوالذي لا إله غيره، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها". وقوله: {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون} يعني: حتى إذا جاء مترفيهم -وهم السعداء المنعمون في الدنيا-عذاب الله وبأسه ونقمته بهم {إذا هم يجأرون} أي: يصرخون ويستغيثون، كما قال تعالى: {وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا. إن لدينا أنكالا وجحيما. وطعاما ذا غصة وعذابا أليما} [المزمل: 11-13] ، وقال تعالى: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص} [ص: 3] . وقوله: {لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون} أي: لا نجيركم (3) مما حل بكم، سواء جأرتم أو سكتم، لا محيد ولا مناص ولا وزر لزم الأمر ووجب العذاب. ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال: {قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون} أي: إذا دعيتم أبيتم، وإن (4) طلبتم امتنعتم؛ {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير} [غافر: 12] . وقوله: {مستكبرين به سامرا تهجرون} : في تفسيره قولان، أحدهما: أن مستكبرين حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٧٣) ↗التحرير والتنوير
وقد تقدم عند قوله تعالى: وأولئك لهم الخيرات في سورة براءة [88] ، وتقدم في سورة الأنبياء [73- 90] . و (بل) إضراب عن المظنون لا على الظن كما هو ظاهر بالقرينة، أي لسنا نسارع لهم بالخيرات كما ظنوا بل لا يشعرون بحكمة ذلك الإمداد وأنها لاستدراجهم وفضحهم بإقامة الحجة عليهم. [57- 61] إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون (57) والذين هم بآيات ربهم يؤمنون (58) والذين هم بربهم لا يشركون (59) والذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة أنهم إلى ربهم راجعون (60) أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون (61) هذا الكلام مقابل ما تضمنته الغمرة من قوله فذرهم في غمرتهم [المؤمنون: 54] من الإعراض عن عبادة الله وعن التصديق بآياته، ومن إشراكهم آلهة مع الله، ومن شحهم عن الضعفاء وإنفاق مالهم في اللذات، ومن تكذيبهم بالبعث. كل ذلك مما شملته الغمرة فجيء في مقابلها بذكر أحوال المؤمنين ثناء عليهم، ألا ترى إلى قوله بعد هذا بل قلوبهم في غمرة من هذا [المؤمنون: 63] . فكانت هذه الجملة كالتفصيل لإجمال الغمرة مع إفادة المقابلة بأحوال المؤمنين. واختير أن يكون التفصيل بذكر المقابل لحسن تلك الصفات وقبح أضدادها تنزيها للذكر عن تعداد رذائلهم، فحصل بهذا إيجاز بديع، وطباق من ألطف البديع، وصون للفصاحة من كراهة الوصف الشنيع. وافتتاح الجملة ب إن للاهتمام بالخبر، والإتيان بالموصولات للإيماء إلى وجه بناء الخبر وهو أنهم يسارعون في الخيرات ويسابقون إليها وتكرير
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٧٦) ↗