سورة المؤمنون · الآية ٦٢
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر تعالى الذين جمعوا بين الإساءة والأمن، الذين يزعمون أن عطاء الله إياهم في الدنيا دليل على خيرهم وفضلهم، ذكر الذين جمعوا بين الإحسان والخوف، فقال: { الذين هم من خشية ربهم مشفقون } أي: وجلون، مشفقة قلوبهم كل ذلك من خشية ربهم، خوفا أن يضع عليهم عدله، فلا يبقى لهم حسنة، وسوء ظن بأنفسهم، أن لا يكونوا قد قاموا بحق الله تعالى، وخوفا على إيمانهم من الزوال، ومعرفة منهم بربهم، وما يستحقه من الإجلال والإكرام، وخوفهم وإشفاقهم يوجب لهم الكف عما يوجب الأمر المخوف من الذنوب، والتقصير في الواجبات. { والذين هم بآيات ربهم يؤمنون } أي: إذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا، ويتفكرون أيضا في الآيات القرآنية ويتدبرونها، فيبين لهم من معاني القرآن وجلالته واتفاقه، وعدم اختلافه وتناقضه، وما يدعو إليه من معرفة الله وخوفه ورجائه، وأحوال الجزاء، فيحدث لهم بذلك من تفاصيل الإيمان، ما لا يعبر عنه اللسان. ويتفكرون أيضا في الآيات الأفقية، كما في قوله: إن في خلق السموت والأرض واختلاف اليل والنهار لآيات لأولي الألباب إلى آخر الآيات [آل عمران: 190]. { والذين هم بربهم لا يشركون } أي: لا شركا جليا، كاتخاذ غير الله معبودا، يدعوه ويرجوه ولا شركا خفيا، كالرياء ونحوه، بل هم مخلصون لله، في أقوالهم وأعمالهم وسائر أحوالهم. { والذين يؤتون مآ آتوا } أي: يعطون من أنفسهم مما أمروا به، ما آتوا من كل ما يقدرون عليه، من صلاة، وزكاة، وحج، وصدقة، وغير ذلك، { و } مع هذا { قلوبهم وجلة } أي: خائفة { أنهم إلى ربهم راجعون } أي: خائفة عند عرض أعمالها عليه، والوقوف بين يديه، أن تكون أعمالهم غير منجية من عذاب الله، لعلمهم بربهم، وما يستحقه من أصناف العبادات. { أولئك يسارعون في الخيرات } أي: في ميدان التسارع في أفعال الخير، همهم ما يقربهم إلى الله، وإرادتهم مصروفة فيما ينجي من عذابه، فكل خير سمعوا به، أو سنحت لهم الفرصة إليه، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
ثم قال منكرا على الكفار والمشركين من قريش: {بل قلوبهم في غمرة} أي: غفلة وضلالة {من هذا} أي: القرآن الذي أنزله [الله تعالى] (1) على رسوله صلى الله عليه وسلم. وقوله: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون} : قال الحكم (2) بن أبان، عن عكرمة، عن ابن عباس: {ولهم أعمال} أي: سيئة من دون ذلك، يعني: الشرك، {هم لها عاملون} قال: لا بد أن يعملوها. كذا روي عن مجاهد، والحسن، وغير واحد. وقال آخرون: {ولهم أعمال من دون ذلك هم لها عاملون} أي: قد كتب عليهم أعمال سيئة لا بد أن يعملوها قبل موتهم لا محالة، لتحق عليهم كلمة العذاب. وروي نحو هذا عن مقاتل بن حيان والسدي، وعبد الرحمن بن زيد بن أسلم. وهو ظاهر قوي حسن. وقد قدمنا في حديث ابن مسعود: "فوالذي لا إله غيره، إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل النار، فيدخلها". وقوله: {حتى إذا أخذنا مترفيهم بالعذاب إذا هم يجأرون} يعني: حتى إذا جاء مترفيهم -وهم السعداء المنعمون في الدنيا-عذاب الله وبأسه ونقمته بهم {إذا هم يجأرون} أي: يصرخون ويستغيثون، كما قال تعالى: {وذرني والمكذبين أولي النعمة ومهلهم قليلا. إن لدينا أنكالا وجحيما. وطعاما ذا غصة وعذابا أليما} [المزمل: 11-13] ، وقال تعالى: {كم أهلكنا من قبلهم من قرن فنادوا ولات حين مناص} [ص: 3] . وقوله: {لا تجأروا اليوم إنكم منا لا تنصرون} أي: لا نجيركم (3) مما حل بكم، سواء جأرتم أو سكتم، لا محيد ولا مناص ولا وزر لزم الأمر ووجب العذاب. ثم ذكر أكبر ذنوبهم فقال: {قد كانت آياتي تتلى عليكم فكنتم على أعقابكم تنكصون} أي: إذا دعيتم أبيتم، وإن (4) طلبتم امتنعتم؛ {ذلكم بأنه إذا دعي الله وحده كفرتم وإن يشرك به تؤمنوا فالحكم لله العلي الكبير} [غافر: 12] . وقوله: {مستكبرين به سامرا تهجرون} : في تفسيره قولان، أحدهما: أن مستكبرين حال منهم حين نكوصهم عن الحق وإبائهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ينطق بالحق} [المؤمنون: 62] يقول: وعندنا كتاب أعمال الخلق بما عملوا من خير وشر؛ {ينطق بالحق وهم لا يظلمون} [المؤمنون: 62] يقول: يبين بالصدق عما عملوا من عمل في الدنيا، لا زيادة عليه، ولا نقصان. ونحن موفو جميعهم أجورهم، المحسن منهم بإحسانه والمسيء بإساءته. {وهم لا يظلمون} [البقرة: 281] يقول: وهم لا يظلمون، بأن يزاد على سيئات المسيء منهم ما لم يعمله فيعاقب على غير جرمه، وينقص المحسن عما عمل من إحسانه فينقص عما له من الثواب
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/٧٣) ↗التحرير والتنوير
الصفة قالوا: يا رسول الله ذهب أهل الدثور بالأجور يصلون كما نصلي ويصومون كما نصوم ويتصدقون بفضول أموالهم. قال: أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون به، إن لكم بكل تسبيحة صدقة وكل تحميدة صدقة، وكل تكبيرة صدقة، وأمر بالمعروف صدقة، ونهي عن المنكر صدقة» . وقال أبو مسعود الأنصاري: لما أمرنا بالصدقة كما نحامل فيصيب أحدنا المد فيتصدق به. ومما يشير إلى معنى هذه الآية قوله تعالى: ويطعمون الطعام على حبه مسكينا ويتيما وأسيرا إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاء ولا شكورا إنا نخاف من ربنا يوما عبوسا قمطريرا [الإنسان: 8- 10] الآيات. وخبر إن جملة أولئك يسارعون في الخيرات. وافتتح باسم الإشارة لزيادة تمييزهم للسامعين لأن مثلهم أحرياء بأن يعرفوا. وتقدم الكلام على معنى يسارعون في الخيرات آنفا. ومعنى وهم لها سابقون أنهم يتنافسون في الإكثار من أعمال الخير، فالسبق تمثيل للتنافس والتفاوت في الإكثار من الخيرات بحال السابق إلى الغاية، أو المعنى وهم محرزون لما حرصوا عليهم، فالسبق مجاز لإحراز المطلوب لأن الإحراز من لوازم السبق. وعلى التقديرين فاللام بمعنى (إلى) . وقد قيل إن فعل السبق يتعدى باللام كما يتعدى ب (إلى) . وتقديم المجرور للاهتمام ولرعاية الفاصلة. [62] 62] ولا نكلف نفسا إلا وسعها ولدينا كتاب ينطق بالحق وهم لا يظلمون (62) تذييل لما تقدم من أحوال الذين من خشية ربهم مشفقون. لأنه لما ذكر ما اقتضى مخالفة المشركين لما أمروا به من توحيد الدين، وذكر بعده ما دل
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٧٨) ↗