سورة المؤمنون · الآية ٤
﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ فَاعِلُونَ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
هذا تنويه من الله، بذكر عباده المؤمنين، وذكر فلاحهم وسعادتهم، وبأي: شيء وصلوا إلى ذلك، وفي ضمن ذلك، الحث على الاتصاف بصفاتهم، والترغيب فيها. فليزن العبد نفسه وغيره على هذه الآيات، يعرف بذلك ما معه وما مع غيره من الإيمان، زيادة ونقصا، كثرة وقلة، فقوله { قد أفلح المؤمنون } أي: قد فازوا وسعدوا ونجحوا، وأدركوا كل ما يرام. المؤمنون الذين آمنوا بالله وصدقوا المرسلين الذين من صفاتهم الكاملة أنهم { في صلاتهم خاشعون }. والخشوع في الصلاة: هو حضور القلب بين يدي الله تعالى، مستحضرا لقربه، فيسكن لذلك قلبه، وتطمئن نفسه، وتسكن حركاته، ويقل التفاته، متأدبا بين يدي ربه، مستحضرا جميع ما يقوله ويفعله في صلاته، من أول صلاته إلى آخرها، فتنتفي بذلك الوساوس والأفكار الردية، وهذا روح الصلاة، والمقصود منها، وهو الذي يكتب للعبد، فالصلاة التي لا خشوع فيها ولا حضور قلب، وإن كانت مجزئة مثابا عليها، فإن الثواب على حسب ما يعقل القلب منها. { والذين هم عن اللغو } وهو الكلام الذي لا خير فيه ولا فائدة، { معرضون } رغبة عنه، وتنزيها لأنفسهم، وترفعا عنه، وإذا مروا باللغو مروا كراما، وإذا كانوا معرضين عن اللغو، فإعراضهم عن المحرم من باب أولى وأحرى، وإذا ملك العبد لسانه وخزنه - إلا في الخير - كان مالكا لأمره، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم لمعاذ بن جبل حين وصاه بوصايا قال: " " ألا أخبرك بملاك ذلك كله؟ " قلت: بلى يا رسول الله، فأخذ بلسان نفسه وقال: " كف عليك هذا " " ، فالمؤمنون من صفاتهم الحميدة، كف ألسنتهم عن اللغو والمحرمات. { والذين هم للزكاة فاعلون } أي مؤدون لزكاة أموالهم، على اختلاف أجناس الأموال، مزكين لأنفسهم من أدناس الأخلاق ومساوئ الأعمال التي تزكو النفس بتركها وتجنبها، فأحسنوا في عبادة الخالق، في الخشوع في الصلاة، وأحسنوا إلى خلقه بأداء الزكاة. { والذين هم لفروجهم حافظون } عن الزنا، ومن تمام حفظها …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وغرسها بيده، نظر إليها وقال لها. تكلمي. فقالت: {قد أفلح المؤمنون} ، قال كعب الأحبار: لما أعد لهم فيها من الكرامة. وقال أبو العالية: فأنزل الله ذلك في كتابه. وقد روي ذلك عن أبي سعيد الخدري مرفوعا، فقال أبو بكر البزار: حدثنا محمد بن المثنى، حدثنا المغيرة بن سلمة، حدثنا وهيب، عن الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد قال: خلق الله الجنة، لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وغرسها، وقال لها: تكلمي. فقالت: {قد أفلح المؤمنون} ، فدخلتها الملائكة فقالت: طوبى لك، منزل الملوك! . (1) ثم قال (2) : وحدثنا بشر بن آدم، وحدثنا يونس بن عبيد الله العمري، حدثنا عدي بن الفضل، حدثنا الجريري، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "خلق الله الجنة، لبنة من ذهب ولبنة من فضة، وملاطها (3) المسك". قال أبو بكر: ورأيت في موضع آخر في (4) هذا الحديث: "حائط الجنة، لبنة ذهب ولبنة فضة، وملاطها المسك. فقال لها: تكلمي. فقالت: {قد أفلح المؤمنون} فقالت الملائكة: طوبى لك، منزل الملوك! ". ثم قال البزار: لا نعلم أحدا رفعه إلا عدي بن الفضل، وليس هو بالحافظ، وهو شيخ متقدم الموت (5) . وقال الحافظ أبو القاسم الطبراني: حدثنا أحمد بن علي، حدثنا هشام بن خالد، حدثنا بقية، عن ابن جريج، عن عطاء، عن ابن عباس قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لما خلق الله جنة عدن، خلق فيها ما لا عين رأت، [ولا أذن سمعت] (6) ، ولا خطر على قلب بشر. ثم قال لها: تكلمي. فقالت: {قد أفلح المؤمنون} (7) . بقية: عن الحجازيين ضعيف. وقال الطبراني: حدثنا محمد بن عثمان بن أبي شيبة، حدثنا منجاب بن الحارث، حدثنا حماد ابن عيسى العبسي، عن إسماعيل السدي، عن أبي صالح، عن ابن عباس -يرفعه-: "لما خلق الله جنة عدن بيده، ودلى فيها ثمارها، وشق فيها أنهارها، ثم نظر إليها فقال: {قد أفلح المؤمنون} . قال: وعزتي (8) لا يجاورني فيك بخيل" (9) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٦٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وصفوا به هو أداؤهموها
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/١١) ↗التحرير والتنوير
والذين هم للزكاة فاعلون (4) أصل الزكاة أنها اسم مصدر (زكى) المشدد، إذا طهر النفس من المذمات. ثم أطلقت على إنفاق المال لوجه الله مجازا لأن القصد من ذلك المال تزكية النفس أو لأن ذلك يزيد في مال المعطي. فأطلق اسم المسبب على السبب. وأصله قوله تعالى: خذ من أموالهم صدقة تطهرهم وتزكيهم بها [التوبة: 103] ، وأطلقت على نفس المال المنفق من إطلاق اسم المصدر على المفعول لأنه حاصل به وهو المتعين هنا بقرينة تعليقه ب فاعلون المقتضي أن الزكاة مفعول. وأما المصدر فلا يكون مفعولا به لفعل من مادة (ف. ع. ل) لأن صوغ الفعل من مادة ذلك المصدر يغني عن الإتيان بفعل مبهم ونصب مصدره على المفعولية به. فلو قال أحد: فعلت مشيا، إذا أراد أن يقول: مشيت، كان خارجا عن تركيب العربية ولو كان مفيدا، ولو قال أحد: فعلت مما تريده، لصح التركيب قال تعالى: من فعل هذا بآلهتنا [الأنبياء: 59] ، أي هذا المشاهد من الكسر والحطم، أي هذا الحاصل بالمصدر. وليس المراد المصدر لأنه لا يشار إليه ولا سيما بعد غيبة فاعله. والمراد بالفعل هنا الفعل المناسب لهذا المفعول وهو الإيتاء، فهو كقوله ويؤتون الزكاة [المائدة: 55] فلا حاجة إلى تقدير أداء الزكاة. وإنما أوثر هنا الاسم الأعم وهو فاعلون لأن مادة (ف ع ل) مشتهرة في إسداء المعروف، واشتق منها الفعال بفتح الفاء، قال محمد بن بشير الخارجي: إن تنفق المال أو تكلف مساعيه ... يشقق عليك وتفعل دون ما فعلا وعلى هذا الاعتبار جاء ما نسب إلى أمية بن أبي الصلت: المطعمون الطعام في السنة الأز ... مة والفاعلون للزكوات أنشده في «الكشاف» . وفي نفسي من صحة نسبته تردد لأني أحسب استعمال الزكاة في معنى المال المبذول لوجه الله إلا من مصطلحات القرآن،
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/١٢) ↗