سورة المؤمنون · الآية ٢٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
إلى آخر القصة وهي قوله { إن في ذلك لآيات وإن كنا لمبتلين } يذكر تعالى رسالة عبده ورسوله نوح عليه السلام، أول رسول أرسله لأهل الأرض، فأرسله إلى قومه، وهم يعبدون الأصنام، فأمرهم بعبادة الله وحده، فقال: { يقوم اعبدوا الله } أي: أخلصوا له العبادة، لأن العبادة لا تصح إلا بإخلاصها. { ما لكم من إله غيره } فيه إبطال ألوهية غير الله، وإثبات الإلهية لله تعالى، لأنه الخالق الرازق، الذي له الكمال كله، وغيره بخلاف ذلك. { أفلا تتقون } ما أنتم عليه من عبادة الأوثان والأصنام، التي صورت على صور قوم صالحين، فعبدوها مع الله، فاستمر على ذلك، يدعوهم سرا وجهارا، وليلا ونهارا، ألف سنة إلا خمسين عاما، وهم لا يزدادون إلا عتوا ونفورا. { فقال الملأ } من قومه الأشراف والسادة المتبوعون -على وجه المعارضة لنبيهم نوح، والتحذير من اتباعه -: { ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم } أي: ما هذا إلا بشر مثلكم، قصده حين ادعى النبوة أن يزيد عليكم فضيلة، ليكون متبوعا، وإلا فما الذي يفضله عليكم، وهو من جنسكم؟ وهذه المعارضة لا زالت موجودة في مكذبي الرسل، وقد أجاب الله عنها بجواب شاف، على ألسنة رسله كما في قوله: قالوا أي: لرسلهم إن أنتم إلا بشر مثلنا تريدون أن تصدونا عما كان يعبد آبآؤنا فأتونا بسلطان مبين * قالت لهم رسلهم إن نحن إلا بشر مثلكم ولكن الله يمن على من يشآء من عباده [إبراهيم: 10-11] فأخبروا أن هذا فضل الله ومنته، فليس لكم أن تحجروا على الله، وتمنعوه من إيصال فضله علينا. وقالوا هنا { ولو شآء الله لأنزل ملائكة } وهذه أيضا معارضة بالمشيئة باطلة، فإنه وإن كان لو شاء لأنزل ملائكة، فإنه حكيم رحيم، حكمته ورحمته تقتضي أن يكون الرسول من جنس الآدميين، لأن الملك لا قدرة لهم على مخاطبته، ولا يمكن أن يكون إلا بصورة رجل، ثم يعود اللبس عليهم كما كان. وقولهم: { ما سمعنا بهذا } أي بإرسال رسول { في آبآئنا الأولين } وأي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عن نوح، عليه السلام، وكان أول رسول بعثه الله إلى أهل الأرض من المشركين عبدة الأصنام أنه قال لقومه: {إني لكم نذير مبين} أي: ظاهر النذارة لكم من عذاب الله إن أنتم عبدتم غير الله؛ ولهذا قال: {أن لا تعبدوا إلا الله} وقوله {إني أخاف عليكم عذاب يوم أليم} أي إن استمررتم على ما أنتم عليه عذبكم الله عذابا أليما موجعا شاقا في الدار الآخرة. {فقال الملأ الذين كفروا من قومه} والملأ هم: السادة والكبراء من الكافرين منهم: {ما نراك إلا بشرا مثلنا} أي: لست بملك، ولكنك بشر، فكيف أوحي إليك من دوننا؟ ثم ما نراك (1) اتبعك إلا أراذلنا (2) كالباعة والحاكة وأشباههم ولم يتبعك الأشراف ولا الرؤساء [منا] (3) ثم هؤلاء الذين اتبعوك لم يكن عن ترو منهم ولا فكرة ولا نظر، بل بمجرد ما دعوتهم أجابوك فاتبعوك (4) ؛ ولهذا قال: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} أي: في أول بادئ الرأي، {وما نرى لكم علينا من فضل} يقولون: ما رأينا لكم علينا فضيلة في خلق ولا خلق، ولا رزق ولا حال، لما دخلتم في دينكم هذا، {بل نظنكم كاذبين} أي: فيما تدعونه (5) لكم من البر والصلاح والعبادة، والسعادة في الدار الآخرة إذا صرتم إليها. هذا اعتراض الكافرين على نوح، عليه السلام، وأتباعه، وذلك دليل على جهلهم وقلة علمهم وعقلهم، فإنه ليس بعار على الحق رذالة من اتبعه، فإن الحق في نفسه صحيح، وسواء اتبعه الأشراف أو الأراذل (6) بل الحق الذي لا شك فيه أن أتباع الحق هم الأشراف، ولو كانوا فقراء، والذين يأبونه هم الأراذل، ولو كانوا أغنياء. ثم الواقع غالبا أن ما يتبع الحق ضعفاء الناس، والغالب على الأشراف والكبراء مخالفته، كما قال تعالى: {وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} [الزخرف: 23] ، (7) ولما سأل هرقل ملك الروم أبا سفيان صخر بن حرب عن صفات النبي صلى الله عليه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وجحدوا نبوة نبيهم نوح عليه السلام. {ما نراك} [هود: 27] يا نوح. {إلا بشرا مثلنا} [هود: 27] يعنون بذلك أنه آدمي مثلهم في الخلق والصورة والجنس، كأنهم كانوا منكرين أن يكون الله يرسل من البشر رسولا إلى خلقه. وقوله: {وما نراك اتبعك إلا الذين هم أراذلنا بادي الرأي} [هود: 27] يقول: وما نراك اتبعك إلا الذين هم سفلتنا من الناس دون الكبراء والأشراف فيما يرى ويظهر لنا.
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٢/٣٧٩) ↗التحرير والتنوير
وقرأ نافع وابن عامر وأبو بكر عن عاصم بفتح النون، وقرأه الباقون عدا أبا جعفر- بضم النون- يقال: سقاه وأسقاه بمعنى، وقرأه أبو جعفر بتاء التأنيث مفتوحة على أن الضمير للأنعام. وعطف على الفلك إدماج وتهيئة للتخلص إلى قصة نوح. [23- 25] 25] ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون (23) فقال الملأ الذين كفروا من قومه ما هذا إلا بشر مثلكم يريد أن يتفضل عليكم ولو شاء الله لأنزل ملائكة ما سمعنا بهذا في آبائنا الأولين (24) إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين (25) لما كان الاستدلال والامتنان اللذان تقدما موجهين إلى المشركين الذين كفروا بالنبيء صلى الله عليه وسلم واعتلوا لذلك بأنهم لا يؤمنون برسالة بشر مثلهم وسألوا إنزال ملائكة ووسموا الرسول عليه الصلاة والسلام بالجنون، فلما شابهوا بذلك قوم نوح ومن جاء بعدهم ناسب أن يضرب لهم بقوم نوح مثل تحذيرا مما أصاب قوم نوح من العذاب، وقد جرى في أثناء الاستدلال والامتنان ذكر الحمل في الفلك فكان ذلك مناسبة للانتقال فحصل بذلك حسن التخلص، فيعتبر ذكر قصص الرسل إما استطرادا في خلال الاستدلال على الوحدانية، وإما انتقالا كما سيأتي عند قوله تعالى: وهو الذي أنشأ لكم السمع والأبصار [المؤمنون: 78] . وتصدير الجملة بلام القسم تأكيد للمضمون التهديدي من القصة، فالمعنى تأكيد الإرسال إلى نوح وما عقب به ذلك.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/٤٠) ↗