سورة المؤمنون · الآية ١٠٩
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن هول يوم القيامة، وما في ذلك اليوم، من المزعجات والمقلقات، وأنه إذا نفخ في الصور نفخة البعث، فحشر الناس أجمعون، لميقات يوم معلوم، أنه يصيبهم من الهول ما ينسيهم أنسابهم، التي هي أقوى الأسباب، فغير الأنساب من باب أولى، وأنه لا يسأل أحد أحدا عن حاله، لاشتغاله بنفسه، فلا يدري هل ينجو نجاة لا شقاوة بعدها؟ أو يشقى شقاوة لا سعادة بعدها؟ قال تعالى: يوم يفر المرء من أخيه * وأمه وأبيه * وصحبته وبنيه * لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه [عبس: 34-37]. وفي القيامة مواضع، يشتد كربها، ويعظم وقعها، كالميزان الذي يميز به أعمال العبد، وينظر فيه بالعدل ما له وما عليه، وتبين فيه مثاقيل الذر، من الخير والشر، { فمن ثقلت موازينه } بأن رجحت حسناته على سيئاته { فأولئك هم المفلحون } لنجاتهم من النار، واستحقاقهم الجنة، وفوزهم بالثناء الجميل، { ومن خفت موازينه } بأن رجحت سيئاته على حسناته، وأحاطت بها خطيئاته { فأولئك الذين خسروا أنفسهم } كل خسارة، غير هذه الخسارة، فإنها - بالنسبة إليها - سهلة، ولكن هذه خسارة صعبة، لا يجبر مصابها، ولا يستدرك فائتها، خسارة أبدية، وشقاوة سرمدية، قد خسر نفسه الشريفة، التي يتمكن بها من السعادة الأبدية ففوتها هذا النعيم المقيم، في جوار الرب الكريم. { في جهنم خالدون } لا يخرجون منها أبد الآبدين، وهذا الوعيد، إنما هو كما ذكرنا، لمن أحاطت خطيئاته بحسناته، ولا يكون ذلك إلا كافرا، فعلى هذا، لا يحاسب محاسبة من توزن حسناته وسيئاته، فإنهم لا حسنات لهم، ولكن تعد أعمالهم وتحصى، فيوقفون عليها، ويقررون بها، ويخزون بها، وأما من معه أصل الإيمان، ولكن عظمت سيئاته، فرجحت على حسناته، فإنه وإن دخل النار، لا يخلد فيها، كما دلت على ذلك نصوص الكتاب والسنة. ثم ذكر تعالى، سوء مصير الكافرين فقال: { تلفح وجوههم النار } أي: تغشاهم من جميع جوانبهم، حتى تصيب أعضاءهم الشريفة، ويتقطع لهبها عن …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… عن سلمة بن كهيل، حدثنا أبو الزعراء قال: قال عبد الله بن مسعود: إذا أراد الله ألا يخرج منهم أحدا -يعني: من جهنم-غير وجوههم وألوانهم، فيجيء الرجل من المؤمنين، فيشفع فيقول: يا رب (3) . فيقول: من عرف أحدا فليخرجه. فيجيء الرجل فينظر فلا يعرف أحدا فيقول: أنا فلان. فيقول: ما أعرفك. ، قال: فعند ذلك يقول: {ربنا أخرجنا منها فإن عدنا فإنا ظالمون} ، فعند ذلك يقول: {اخسئوا فيها ولا تكلمون} . وإذا (4) قال ذلك، أطبقت عليهم فلا (5) يخرج منهم بشر. ثم قال تعالى مذكرا لهم بذنوبهم في الدنيا، وما كانوا يستهزئون بعباده المؤمنين وأوليائه، فقال: {إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين * فاتخذتموهم سخريا} أي: فسخرتم منهم في دعائهم إياي وتضرعهم إلي، {حتى أنسوكم ذكري} أي: حملكم بغضهم على أن نسيتم معاملتي {وكنتم منهم تضحكون} أي: من صنيعهم وعبادتهم، كما قال تعالى: {إن الذين أجرموا كانوا من الذين آمنوا يضحكون * وإذا مروا بهم يتغامزون} [المطففين: 29، 30] أي: يلمزونهم استهزاء. ثم أخبر عما جازى به أولياءه وعباده الصالحين، فقال: {إني جزيتهم اليوم بما صبروا} أي: على أذاكم لهم واستهزائكم منهم، {أنهم هم الفائزون} أي: جعلتهم هم الفائزين (6) بالسعادة والسلامة والجنة، الناجين (7) من النار.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٩٩) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
بما أغنى عن إعادته في هذا الموضع. {كان فريق من عبادي PageEndV17P126 } [المؤمنون: 109] يقول: كانت جماعة من عبادي، وهم أهل الإيمان بالله، يقولون في الدنيا: {ربنا آمنا} [آل عمران: 53] بك وبرسلك، وما جاءوا به من عندك؛ فاغفر لنا ذنوبنا وارحمنا وأنت خير من رحم أهل البلاء، فلا تعذبنا بعذابك
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٧/١٢٥) ↗التحرير والتنوير
تقابلها السعادة، أي غلبت شقوتنا السعادة. والمجرور ب (على) بعد مادة الغلب هو الشيء المتغالب عليه كما في الحديث «قال النساء: غلبنا عليك الرجال» . مثلت حالة اختيارهم لأسباب الشقوة بدل أسباب السعادة بحالة غائرة بين السعادة والشقاوة على نفوسهم. وإضافة الشقوة إلى ضميرهم لاختصاصها بهم حين صارت غالبة عليهم. والشقوة بكسر الشين وسكون القاف في قراءة الجمهور. وهي زنة الهيئة من الشقاء. وقرأ حمزة والكسائي وخلف شقاوتنا بفتح الشين وبألف بعد القاف وهو مصدر على صيغة الفعالة مثل الجزالة والسذاجة. وزيادة قوله قوما على أن الضلالة من شيمتهم وبها قوام قوميتهم كما تقدم عند قوله لآيات لقوم يعقلون في سورة البقرة [164] وعند قوله وما تغني الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون في آخر سورة يونس [101] . وهم ظنوا أنهم إن أخرجوا من النار رجعوا إلى الإيمان والعمل الصالح فالتزموا لله بأنهم لا يعودون إلى الكفر والتكذيب. وحذف متعلق عدنا لظهوره من المقام إذ كان إلقاؤهم في النار لأجل الإشراك والتكذيب كما دل عليه قولهم وكنا قوما ضالين. والظلم في فإنا ظالمون هو تجاوز العدل، والمراد ظلم آخر بعد ظلمهم الأول وهو الذي ينقطع عنده سؤال العفو. [108- 111] 111] قال اخسؤا فيها ولا تكلمون (108) إنه كان فريق من عبادي يقولون ربنا آمنا فاغفر لنا وارحمنا وأنت خير الراحمين (109) فاتخذتموهم سخريا حتى أنسوكم ذكري وكنتم منهم تضحكون (110) إني جزيتهم اليوم بما صبروا أنهم هم الفائزون
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٨/١٢٨) ↗