سورة الحج · الآية ٤١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
كان المسلمون في أول الإسلام ممنوعين من قتال الكفار، ومأمورين بالصبر عليهم، لحكمة إلهية، فلما هاجروا إلى المدينة، وأوذوا، وحصل لهم منعة وقوة، أذن لهم بالقتال، قال تعالى: { أذن للذين يقاتلون } يفهم منه أنهم كانوا قبل ممنوعين، فأذن الله لهم بقتال الذين يقاتلون، وإنما أذن لهم، لأنهم ظلموا، بمنعهم من دينهم، وأذيتهم عليه، وإخراجهم من ديارهم. { وإن الله على نصرهم لقدير } فليستنصروه، وليستعينوا به، ثم ذكر صفة ظلمهم فقال: { الذين أخرجوا من ديارهم } أي: ألجؤوا إلى الخروج بالأذية والفتنة { بغير حق إلا } أن ذنبهم الذي نقم منهم أعداؤهم { أن يقولوا ربنا الله } أي: إلا أنهم وحدوا الله، وعبدوه مخلصين له الدين، فإن كان هذا ذنبا، فهو ذنبهم كقوله تعالى: وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد [البروج: 8] وهذا يدل على حكمة الجهاد، وأن المقصود منه إقامة دين الله، وذب الكفار المؤذين للمؤمنين، البادئين لهم بالاعتداء، عن ظلمهم واعتدائهم، والتمكن من عبادة الله، وإقامة الشرائع الظاهرة، ولهذا قال: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } فيدفع الله بالمجاهدين في سبيله ضرر الكافرين، { لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد } أي: لهدمت هذه المعابد الكبار، لطوائف أهل الكتاب، معابد اليهود والنصارى، والمساجد للمسلمين، { يذكر فيها } أي: في هذه المعابد { اسم الله كثيرا } تقام فيها الصلوات، وتتلى فيها كتب الله، ويذكر فيها اسم الله بأنواع الذكر، فلولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، لاستولى الكفار على المسلمين، فخربوا معابدهم، وفتنوهم عن دينهم، فدل هذا، أن الجهاد مشروع، لأجل دفع الصائل والمؤذي، ومقصود لغيره، ودل ذلك على أن البلدان التي حصلت فيها الطمأنينة بعبادة الله، وعمرت مساجدها، وأقيمت فيها شعائر الدين كلها، من فضائل المجاهدين وببركتهم، دفع الله عنها الكافرين، قال الله تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال أبو العالية: هم أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم. وقال الصباح بن سوادة الكندي: سمعت عمر بن عبد العزيز يخطب وهو يقول: {الذين إن مكناهم في الأرض} الآية، ثم قال: إلا أنها ليست على الوالي وحده، ولكنها على الوالي والمولى عليه، ألا أنبئكم بما لكم على الوالي من ذلكم، وبما للوالي عليكم منه؟ إن لكم على الوالي من ذلكم أن يؤاخذكم بحقوق الله عليكم، وأن يأخذ لبعضكم من بعض، وأن يهديكم للتي هي أقوم ما استطاع، وإن عليكم من ذلك الطاعة غير المبزوزة ولا المستكرهة، ولا المخالف سرها علانيتها. وقال عطية العوفي: هذه الآية كقوله: {وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض [كما استخلف الذين من قبلهم] (1) } [النور: 55] . وقوله: {ولله عاقبة الأمور} ، كقوله تعالى {والعاقبة للمتقين} [القصص: 83] . وقال زيد بن أسلم: {ولله عاقبة الأمور} : وعند الله ثواب ما صنعوا. يقول تعالى مسليا نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم في تكذيب من خالفه من قومه: {وإن يكذبوك فقد كذبت قبلهم قوم نوح} إلى أن قال (2) : {وكذب موسى} أي: مع ما جاء به من الآيات البينات والدلائل الواضحات. {فأمليت للكافرين} أي: أنظرتهم وأخرتهم، {ثم أخذتهم فكيف كان نكير} أي: فكيف كان إنكاري عليهم، ومعاقبتي لهم؟! ذكر بعض السلف أنه كان بين قول فرعون لقومه: {أنا ربكم الأعلى} [النازعات: 24] ، وبين إهلاك الله له أربعون سنة. وفي الصحيحين عن أبي موسى، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: "إن الله ليملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، ثم قرأ: {وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهي ظالمة إن أخذه أليم شديد} [هود: 102] (3) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٣٧) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
[الصف: 4]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٥٨٧) ↗التحرير والتنوير
ولولا دفاع الله الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيرا ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز اعتراض بين جملة أذن للذين يقاتلون [الحج: 39] إلخ وبين قوله الذين إن مكناهم في الأرض [الحج: 41] إلخ. فلما تضمنت جملة أذن للذين يقاتلون [الحج: 39] إلخ الإذن للمسلمين بدفاع المشركين عنهم أتبع ذلك ببيان الحكمة في هذا الإذن بالدفاع، مع التنويه بهذا الدفاع، والمتولين له بأنه دفاع عن الحق والدين ينتفع به جميع أهل أديان التوحيد من اليهود والنصارى والمسلمين، وليس هو دفاعا لنفع المسلمين خاصة. والواو في قوله ولولا دفاع الله الناس إلى آخره، اعتراضية وتسمى واو الاستئناف ومفاد هذه الجملة تعليل مضمون جملة أذن للذين يقاتلون [الحج: 39] إلخ. ولولا حرف امتناع لوجود، أي حرف يدل على امتناع جوابه، أي انتفائه لأجل وجود شرطه، أي عند تحقق مضمون جملة شرطه فهو حرف يقتضي جملتين. والمعنى: لولا دفاع الناس عن مواضع عبادة المسلمين لصري المشركون ولتجاوزوا فيه المسلمين إلى الاعتداء على ما يجاور بلادهم من أهل الملل الأخرى المناوية لملة الشرك ولهدموا معابدهم من صوامع، وبيع، وصلوات، ومساجد، يذكر فيها اسم الله كثيرا، قصدا منهم لمحو دعوة التوحيد ومحقا للأديان المخالفة للشرك. فذكر الصوامع، والبيع، إدماج لينتبهوا إلى تأييد المسلمين فالتعريف في الناس تعريف العهد، أي الناس الذين يتقاتلون وهم المسلمون ومشركو أهل مكة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/٢٧٦) ↗