البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الحج · الآية ٤٠

﴿الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ ۗ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا ۗ وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ ۗ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

كان المسلمون في أول الإسلام ممنوعين من قتال الكفار، ومأمورين بالصبر عليهم، لحكمة إلهية، فلما هاجروا إلى المدينة، وأوذوا، وحصل لهم منعة وقوة، أذن لهم بالقتال، قال تعالى: { أذن للذين يقاتلون } يفهم منه أنهم كانوا قبل ممنوعين، فأذن الله لهم بقتال الذين يقاتلون، وإنما أذن لهم، لأنهم ظلموا، بمنعهم من دينهم، وأذيتهم عليه، وإخراجهم من ديارهم. { وإن الله على نصرهم لقدير } فليستنصروه، وليستعينوا به، ثم ذكر صفة ظلمهم فقال: { الذين أخرجوا من ديارهم } أي: ألجؤوا إلى الخروج بالأذية والفتنة { بغير حق إلا } أن ذنبهم الذي نقم منهم أعداؤهم { أن يقولوا ربنا الله } أي: إلا أنهم وحدوا الله، وعبدوه مخلصين له الدين، فإن كان هذا ذنبا، فهو ذنبهم كقوله تعالى: وما نقموا منهم إلا أن يؤمنوا بالله العزيز الحميد [البروج: 8] وهذا يدل على حكمة الجهاد، وأن المقصود منه إقامة دين الله، وذب الكفار المؤذين للمؤمنين، البادئين لهم بالاعتداء، عن ظلمهم واعتدائهم، والتمكن من عبادة الله، وإقامة الشرائع الظاهرة، ولهذا قال: { ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض } فيدفع الله بالمجاهدين في سبيله ضرر الكافرين، { لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد } أي: لهدمت هذه المعابد الكبار، لطوائف أهل الكتاب، معابد اليهود والنصارى، والمساجد للمسلمين، { يذكر فيها } أي: في هذه المعابد { اسم الله كثيرا } تقام فيها الصلوات، وتتلى فيها كتب الله، ويذكر فيها اسم الله بأنواع الذكر، فلولا دفع الله الناس بعضهم ببعض، لاستولى الكفار على المسلمين، فخربوا معابدهم، وفتنوهم عن دينهم، فدل هذا، أن الجهاد مشروع، لأجل دفع الصائل والمؤذي، ومقصود لغيره، ودل ذلك على أن البلدان التي حصلت فيها الطمأنينة بعبادة الله، وعمرت مساجدها، وأقيمت فيها شعائر الدين كلها، من فضائل المجاهدين وببركتهم، دفع الله عنها الكافرين، قال الله تعالى: ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

ورواه الإمام أحمد، عن إسحاق بن يوسف الأزرق، به (1) وزاد: قال ابن عباس: وهي أول آية نزلت في القتال. ورواه الترمذي، والنسائي في التفسير من سننيهما، وابن أبي حاتم (2) من حديث إسحاق بن يوسف -زاد الترمذي: ووكيع، كلاهما عن سفيان الثوري، به. وقال الترمذي: حديث حسن، وقد رواه غير واحد، عن الثوري، وليس فيه ابن عباس (3) . وقوله: {وإن الله على نصرهم لقدير} أي: هو قادر على نصر عباده المؤمنين من غير قتال، ولكن هو يريد من عباده أن يبلوا (4) جهدهم في طاعته، كما قال: {فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب حتى إذا أثخنتموهم فشدوا الوثاق فإما منا بعد وإما فداء حتى تضع الحرب أوزارها ذلك ولو يشاء الله لانتصر منهم ولكن ليبلو بعضكم ببعض والذين قتلوا في سبيل الله فلن يضل أعمالهم. سيهديهم ويصلح بالهم ويدخلهم الجنة عرفها لهم} [محمد: 4 -6] ، وقال تعالى: {قاتلوهم يعذبهم الله بأيديكم (5) ويخزهم وينصركم عليهم ويشف صدور قوم مؤمنين. ويذهب غيظ قلوبهم ويتوب الله على من يشاء والله عليم حكيم} [التوبة: 14، 15] ، وقال: {أم حسبتم أن تتركوا ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ولم يتخذوا من دون الله ولا رسوله ولا المؤمنين وليجة والله خبير بما تعملون} [التوبة: 16] ، {أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم [الله] (6) الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين} [آل عمران: 142] ، وقال: {ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم} [محمد: 31] . والآيات في هذا كثيرة؛ ولهذا قال ابن عباس في قوله: {وإن الله على نصرهم لقدير} وقد فعل. وإنما شرع [الله] (7) تعالى الجهاد في الوقت الأليق به؛ لأنهم لما كانوا بمكة كان المشركون أكثر عددا، فلو أمر المسلمين، وهم أقل من العشر، بقتال الباقين (8) لشق عليهم؛ ولهذا لما بايع أهل يثرب ليلة العقبة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكانوا نيفا وثمانين، قالوا: يا رسول الله، ألا نميل على أهل الوادي …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

أخرجوا من ديارهم بغير حق} [الحج: 40] ف (الذين) الثانية رد على (الذين) الأولى. وعنى بالمخرجين من دورهم: المؤمنين الذين أخرجهم كفار قريش من مكة. وكان إخراجهم إياهم من دورهم وتعذيبهم بعضهم على الإيمان بالله ورسوله، وسبهم بعضهم بألسنتهم، ووعيدهم إياهم، حتى اضطروهم إلى الخروج عنهم. وكان فعلهم ذلك بهم بغير حق؛ لأنهم كانوا على باطل، والمؤمنون على الحق، فلذلك قال جل ثناؤه: {الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق} [الحج: 40]

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٥٧٧) ↗

التحرير والتنوير

من آياتها ما يلائم أسلوب القرآن النازل بمكة. ومع هذا فليس الافتتاح ب يا أيها الناس بمعين أن تكون مكية، وإنما قال ابن عباس: يا أيها الناس يراد به المشركون. ولذا فيجوز أن يوجه الخطاب به إلى المشركين في المدينة في أول مدة حلول النبيء صلى الله عليه وسلم بها، فإن قوله: إن الذين كفروا ويصدون عن سبيل الله والمسجد الحرام [الحج: 25] يناسب أنه نزل بالمدينة حيث صد المشركون النبيء والمؤمنين عن البقاء معهم بمكة. وكذلك قوله: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق [الحج: 39- 40] فإنه صريح في أنه نزل في شأن الهجرة. روى الترمذي بسنده عن ابن عباس قال: لما أخرج النبيء من مكة قال أبو بكر: أخرجوا نبيئهم ليهلكن فأنزل الله: أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير الذين أخرجوا من ديارهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله [الحج: 39- 40] ، وكذلك قوله: والذين هاجروا في سبيل الله ثم قتلوا أو ماتوا ليرزقنهم الله رزقا حسنا [الحج: 58] ففيه ذكر الهجرة وذكر من يقتل من المهاجرين وذلك مؤذن بجهاد متوقع كما سيجيء هنالك. وأحسب أنه لم تتعين طائفة منها متوالية نزلت بمكة ونزل ما بعدها بالمدينة بل نزلت آياتها متفرقة. ولعل ترتيبها كان بتوقيف من النبيء صلى الله عليه وسلم ومثل ذلك كثير. وقد قيل في قوله تعالى: هذان خصمان اختصموا في ربهم [الحج: 19] أنه نزل في وقعة بدر، لما في «الصحيح» عن علي وأبي ذر: أنها نزلت في مبارزة حمزة وعلي وعبيدة بن الحارث مع شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة والوليد بن عتبة يوم بدر وكان أبو ذر يقسم على ذلك.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/١٨١) ↗