البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الحج · الآية ٣٤

﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنْسَكًا لِيَذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَىٰ مَا رَزَقَهُمْ مِنْ بَهِيمَةِ الْأَنْعَامِ ۗ فَإِلَٰهُكُمْ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُوا ۗ وَبَشِّرِ الْمُخْبِتِينَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: ولكل أمة من الأمم السالفة جعلنا منسكا، أي: فاستبقوا إلى الخيرات وتسارعوا إليها، ولننظر أيكم أحسن عملا والحكمة في جعل الله لكل أمة منسكا، لإقامة ذكره، والالتفات لشكره، ولهذا قال: { ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد } وإن اختلفت أجناس الشرائع، فكلها متفقة على هذا الأصل، وهو ألوهية الله، وإفراده بالعبودية، وترك الشرك به ولهذا قال: { فله أسلموا } أي: انقادوا واستسلموا له لا لغيره، فإن الإسلام له طريق إلى الوصول إلى دار السلام. { وبشر المخبتين } بخير الدنيا والآخرة، والمخبت: الخاضع لربه، المستسلم لأمره، المتواضع لعباده، ثم ذكر صفات المخبتين فقال: { الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم } أي: خوفا وتعظيما، فتركوا لذلك المحرمات، لخوفهم ووجلهم من الله وحده، { والصبرين على مآ أصابهم } من البأساء والضراء وأنواع الأذى، فلا يجري منهم التسخط لشيء من ذلك، بل صبروا ابتغاء وجه ربهم، محتسبين ثوابه، مرتقبين أجره، { والمقيمي الصلوة } أي: الذين جعلوها قائمة مستقيمة كاملة، بأن أدوا اللازم فيها والمستحب، وعبوديتها الظاهرة والباطنة، { ومما رزقنهم ينفقون } وهذا يشمل جميع النفقات الواجبة، كالزكاة، والكفارة، والنفقة على الزوجات والمماليك، والأقارب، والنفقات المستحبة، كالصدقات بجميع وجوهها، وأتي ب { من } المفيدة للتبعيض، ليعلم سهولة ما أمر الله به ورغب فيه، وأنه جزء يسير مما رزق الله، ليس للعبد في تحصيله قدرة، لولا تيسير الله له ورزقه إياه. فيا أيها المرزوق من فضل الله، أنفق مما رزقك الله ينفق الله عليك، ويزدك من فضله.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الحج ٣٤–٣٥) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يخبر تعالى أنه لم يزل ذبح المناسك وإراقة الدماء على اسم الله مشروعا في جميع الملل. قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ولكل أمة جعلنا منسكا} قال: عيدا. وقال عكرمة: ذبحا. وقال زيد بن أسلم في قوله: {ولكل أمة جعلنا منسكا} ، إنها مكة، لم يجعل الله لأمة قط منسكا غيرها. [وقوله] (1) : {ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} ، كما ثبت في الصحيحين عن أنس قال: أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم بكبشين أملحين أقرنين، فسمى وكبر، ووضع رجله على صفاحهما (2) . وقال الإمام أحمد بن حنبل: حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا سلام بن مسكين، عن عائذ الله المجاشعي، عن أبي داود -وهو نفيع بن الحارث-عن زيد بن أرقم قال: قلت -أو: قالوا-: يا رسول الله، ما هذه الأضاحي؟ قال: "سنة أبيكم إبراهيم". قالوا: ما لنا منها؟ قال: "بكل شعرة حسنة" قالوا: فالصوف؟ قال: "بكل شعرة من الصوف حسنة". وأخرجه الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد ابن ماجه في سننه، من حديث سلام بن مسكين، به (3) . وقوله: {فإلهكم إله واحد فله أسلموا} أي: معبودكم واحد، وإن تنوعت شرائع الأنبياء ونسخ بعضها بعضا، فالجميع يدعون إلى عبادة الله وحده، لا شريك له، {وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي (4) إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون} (5) [الأنبياء: 25] . ولهذا قال: {فله أسلموا} أي: أخلصوا واستسلموا لحكمه وطاعته. {وبشر المخبتين} : قال مجاهد: المطمئنين، وقال الضحاك، وقتادة: المتواضعين. وقال السدي: الوجلين. وقال عمرو بن أوس (6) : المخبتون (7) : الذين لا يظلمون، وإذا ظلموا لم ينتصروا. وقال الثوري: {وبشر المخبتين} قال: المطمئنين الراضين بقضاء الله، المستسلمين له.

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٤٢٤) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام} [الحج: 34] بذلك، لأن من البهائم ما ليس من الأنعام، كالخيل والبغال والحمير. وقيل: إنما قيل للبهائم: بهائم , لأنها لا تتكلم وبنحو الذي قلنا في تأويل قوله: {جعلنا منسكا} [الحج: 34] قال أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٥٤٩) ↗

التحرير والتنوير

: 26] . [34، 35] ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا وبشر المخبتين (34) الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم والصابرين على ما أصابهم والمقيمي الصلاة ومما رزقناهم ينفقون (35) ولكل أمة جعلنا منسكا ليذكروا اسم الله على ما رزقهم من بهيمة الأنعام فإلهكم إله واحد فله أسلموا. عطف على جملة ثم محلها إلى البيت العتيق [الحج: 33] . والأمة: أهل الدين الذين اشتركوا في اتباعه. والمراد: أن المسلمين لهم منسك واحد وهو البيت العتيق كما تقدم. والمقصود من هذا الرد على المشركين إذ جعلوا لأصنامهم مناسك تشابه مناسك الحج وجعلوا لها مواقيت ومذابح مثل الغبغب منحر العزى، فذكرهم الله تعالى بأنه ما جعل لكل أمة إلا منسكا واحدا للقربان إلى الله تعالى الذي رزق الناس الأنعام التي يتقربون إليه منها فلا يحق أن يجعل لغير الله منسك لأن ما لا يخلق الأنعام المقرب بها ولا يرزقها الناس لا يستحق أن يجعل له منسك لقربانها فلا تتعدد المناسك. فالتنكير في قوله منسكا للإفراد، أي واحدا لا متعددا، ومحل الفائدة هو إسناد الجعل إلى ضمير الجلالة. وقد دل على ذلك قوله: ليذكروا اسم الله وأدل عليه التفريع بقوله فإلهكم إله واحد. والكلام يفيد الاقتداء ببقية الأمم أهل الأديان الحق. وعلى يجوز أن تكون للاستعلاء المجازي متعلقة ب ليذكروا اسم الله مع تقدير مضاف بعد على تقديره: إهداء ما رزقهم، أي عند إهداء ما رزقهم، يعني ونحرها أو ذبحها. ويجوز أن تكون على بمعنى: لام التعليل. والمعنى: ليذكروا اسم الله لأجل ما رزقهم من بهيمة الأنعام.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/٢٥٩) ↗