سورة الأنبياء · الآية ٥٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل وكنا به عالمين } إلى آخر هذه القصة، وهو قوله: { وأوحينآ إليهم فعل الخيرات وإقام الصلاة وإيتآء الزكاة وكانوا لنا عابدين } لما ذكر تعالى موسى ومحمدا صلى الله عليهما وسلم وكتابيهما، قال: { ولقد آتينآ إبراهيم رشده من قبل } أي: من قبل إرسال موسى ومحمد ونزول كتابيهما، فأراه الله ملكوت السماوات والأرض، وأعطاه من الرشد، الذي كمل به نفسه، ودعا الناس إليه، ما لم يؤته أحدا من العالمين غير محمد، وأضاف الرشد إليه، لكونه رشدا، بحسب حاله وعلو مرتبته، وإلا فكل مؤمن له من الرشد بحسب ما معه من الإيمان. { وكنا به عالمين } أي: أعطيناه رشده، واختصصناه بالرسالة والخلة، واصطفيناه في الدنيا والآخرة، لعلمنا أنه أهل لذلك، وكفء له، لزكائه وذكائه، ولهذا ذكر محاجته لقومه، ونهيهم عن الشرك، وتكسير الأصنام، وإلزامهم بالحجة، فقال: { إذ قال لأبيه وقومه ما هذه التماثيل } التي مثلتموها، ونحتموها بأيديكم، على صور بعض المخلوقات { التي أنتم لها عاكفون } مقيمون على عبادتها، ملازمون لذلك، فما هي؟ وأي فضيلة ثبتت لها؟ وأين عقولكم التي ذهبت حتى أفنيتم أوقاتكم بعبادتها؟ والحال أنكم مثلتموها، ونحتموها بأيديكم، فهذا من أكبر العجائب، تعبدون ما تنحتون. فأجابوا بغير حجة، جواب العاجز، الذي ليس بيده أدنى شبهة، فقالوا: { وجدنآ آبآءنا } كذلك يفعلون، فسلكنا سبيلهم، وتبعناهم على عبادتها، ومن المعلوم أن فعل أحد من الخلق سوى الرسل ليس بحجة، ولا تجوز به القدوة، خصوصا في أصل الدين، وتوحيد رب العالمين، ولهذا قال لهم إبراهيم مضللا للجميع: { قال لقد كنتم أنتم وآبآؤكم في ضلال مبين } أي: ضلال بين واضح، وأي ضلال، أبلغ من ضلالهم في الشرك، وترك التوحيد؟!! أي: فليس ما قلتم، يصلح للتمسك به، وقد اشتركتم وإياهم في الضلال الواضح، البين لكل أحد. { قالوا } على وجه الاستغراب لقوله، والاستعظام لما قال، وكيف بادأهم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال السدي: لما اقترب (1) وقت ذلك العيد قال أبوه: يا بني، لو خرجت معنا إلى عيدنا لأعجبك ديننا! فخرج معهم، فلما كان ببعض الطريق ألقى نفسه إلى الأرض. وقال: إني سقيم، فجعلوا يمرون عليه وهو صريع، فيقولون: مه! فيقول: إني سقيم، فلما جاز عامتهم وبقي ضعفاؤهم قال: {تالله لأكيدن أصنامكم} فسمعه أولئك. وقال أبو إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبد الله قال: لما خرج قوم إبراهيم، إلى عيدهم مروا عليه فقالوا: يا إبراهيم ألا تخرج معنا؟ قال: إني سقيم. وقد كان بالأمس قال: {تالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين} فسمعه ناس منهم. وقوله: {فجعلهم جذاذا} أي: حطاما كسرها كلها {إلا كبيرا لهم} يعني: إلا الصنم الكبير عندهم كما قال: {فراغ عليهم ضربا باليمين} [الصافات:93] . وقوله: {لعلهم إليه يرجعون} ذكروا أنه وضع القدوم في يد كبيرهم، لعلهم يعتقدون أنه هو الذي غار لنفسه، وأنف أن تعبد معه هذه الأصنام الصغار، فكسرها. {قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين} أي: حين رجعوا وشاهدوا ما فعله الخليل بأصنامهم من الإهانة والإذلال الدال على عدم إلهيتها، وعلى سخافة عقول عابديها {قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين} أي: في صنيعه هذا. {قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} أي: قال من سمعه يحلف أنه ليكيدنهم: {سمعنا فتى} أي: شابا {يذكرهم يقال له إبراهيم} قال ابن أبي حاتم: حدثنا محمد بن عوف، حدثنا سعيد بن منصور، حدثنا جرير بن عبد الحميد، عن قابوس [عن أبيه] (2) ، عن ابن عباس قال: ما بعث الله نبيا إلا شابا، ولا أوتي العلم عالم إلا وهو شاب، وتلا هذه الآية: {قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} . وقوله: {قالوا فأتوا به على أعين الناس} أي: على رءوس الأشهاد في الملإ الأكبر بحضرة الناس كلهم، وكان هذا هو المقصود الأكبر لإبراهيم أن يتبين (3) في هذا المحفل العظيم كثرة جهلهم وقلة عقلهم (4) في عبادة هذه الأصنام التي لا تدفع …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
إنه لمن الظالمين} [الأنبياء: 59] ف {قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم} [الأنبياء: 60]
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٢٩٣) ↗التحرير والتنوير
ثم انتقل إبراهيم عليه السلام من تغيير المنكر بالقول إلى تغييره باليد معلنا عزمه على ذلك بقوله: وتالله لأكيدن أصنامكم بعد أن تولوا مدبرين مؤكدا عزمه بالقسم، فالواو عاطفة جملة القسم على جملة الخبر التي قبلها. والتاء تختص بقسم على أمر متعجب منه وتختص باسم الجلالة. وقد تقدم عند قوله تعالى: قالوا تالله تفتؤا تذكر يوسف [يوسف: 85] . وسمى تكسيره الأصنام كيدا على طريق الاستعارة أو المشاكلة التقديرية لاعتقاد المخاطبين أنهم يزعمون أن الأصنام تدفع عن أنفسها فلا يستطيع أن يمسها بسوء إلا على سبيل الكيد. والكيد: التحيل على إلحاق الضر في صورة غير مكروهة عند المتضرر. وقد تقدم عند قوله تعالى: إن كيدكن عظيم في [سورة يوسف: 28] . وإنما قيد كيده بما بعد انصراف المخاطبين إشارة إلى أنه يلحق الضر بالأصنام في أول وقت التمكن منه، وهذا من عزمه عليه السلام لأن المبادرة في تغيير المنكر مع كونه باليد مقام عزم وهو لا يتمكن من ذلك مع حضور عبدة الأصنام فلو حاول كسرها بحضرتهم لكان عمله باطلا، والمقصود من تغيير المنكر: إزالته بقدر الإمكان، ولذلك فإزالته باليد لا تكون إلا مع المكنة. ومدبرين حال مؤكدة لعاملها. وقد تقدم نظيره غير مرة منها عند قوله تعالى ثم وليتم مدبرين في [سورة براءة: 25] . [58- 61] 61] فجعلهم جذاذا إلا كبيرا لهم لعلهم إليه يرجعون (58) قالوا من فعل هذا بآلهتنا إنه لمن الظالمين (59) قالوا سمعنا فتى يذكرهم يقال له إبراهيم (60) قالوا فأتوا به على أعين الناس لعلهم يشهدون
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/٩٧) ↗