البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الأنبياء · الآية ٣٧

﴿خُلِقَ الْإِنْسَانُ مِنْ عَجَلٍ ۚ سَأُرِيكُمْ آيَاتِي فَلَا تَسْتَعْجِلُونِ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

وهذا من شدة كفرهم، فإن المشركين إذا رأوا رسول الله صلى الله عليه وسلم، استهزأوا به وقالوا: { أهذا الذي يذكر آلهتكم } [الأنبياء: 36] أي: هذا المحتقر بزعمهم، الذي يسب آلهتكم ويذمها ويقع فيها، أي: فلا تبالوا به، ولا تحتفلوا به. هذا استهزاؤهم واحتقارهم له، بما هو من كماله، فإنه الأكمل الأفضل، الذي من فضائله ومكارمه، إخلاص العبادة لله، وذم كل ما يعبد من دونه وتنقصه، وذكر محله ومكانته، ولكن محل الازدراء والاستهزاء، هؤلاء الكفار، الذين جمعوا كل خلق ذميم، ولو لم يكن إلا كفرهم بالرب وجحدهم لرسله، فصاروا بذلك من أخس الخلق وأرذلهم، ومع هذا فذكرهم للرحمن، الذي هو أعلى حالاتهم، كافرون بها، لأنهم لا يذكرونه، ولا يؤمنون به إلا وهم مشركون، فذكرهم كفر وشرك، فكيف بأحوالهم بعد ذلك؟ ولهذا قال: { وهم بذكر الرحمن هم كافرون } وفي ذكر اسمه { الرحمن } هنا، بيان لقباحة حالهم، وأنهم كيف قابلوا الرحمن - مسدي النعم كلها، ودافع النقم الذي ما بالعباد من نعمة إلا منه، ولا يدفع السوء إلا إياه - بالكفر والشرك. { خلق الإنسان من عجل } أي: خلق عجولا، يبادر الأشياء، ويستعجل بوقوعها، فالمؤمنون يستعجلون عقوبة الله للكافرين، ويتباطؤونها، والكافرون يتولون ويستعجلون بالعذاب، تكذيبا وعنادا، ويقولون: { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } والله تعالى، يمهل ولا يهمل ويحلم، ويجعل لهم أجلا مؤقتا فإذا جآء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون [الأعراف: 34] ولهذا قال: { سأوريكم آياتي } أي: في انتقامي ممن كفر بي وعصاني { فلا تستعجلون } ذلك، وكذلك الذين كفروا يقولون: { متى هذا الوعد إن كنتم صادقين } قالوا هذا القول، اغترارا، ولما يحق عليهم العقاب، وينزل بهم العذاب. ف { لو يعلم الذين كفروا } حالهم الشنيعة حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم، إذ قد أحاط بهم من كل جانب، وغشيهم من كل مكان { ولا هم ينصرون } أي: لا ينصرهم غيرهم، …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

الشمس يوم الجمعة، فيه خلق آدم وفيه أدخل الجنة، وفيه أهبط منها، وفيه تقوم الساعة، وفيه ساعة لا يوافقها مؤمن يصلي -وقبض أصابعه قللها (1) -فسأل الله خيرا، إلا أعطاه إياه". قال أبو سلمة: فقال عبد الله بن سلام: قد عرفت تلك الساعة، وهي آخر ساعات النهار من يوم الجمعة، وهي التي خلق الله فيها آدم، قال الله تعالى: {خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون} (2) . والحكمة في ذكر عجلة الإنسان هاهنا أنه لما ذكر المستهزئين بالرسول، صلوات الله [وسلامه] (3) عليه، وقع في النفوس سرعة الانتقام منهم واستعجلت (4) ، فقال الله تعالى: {خلق الإنسان من عجل} ؛ لأنه تعالى يملي للظالم حتى إذا أخذه لم يفلته، يؤجل ثم يعجل، وينظر ثم لا يؤخر؛ ولهذا قال: {سأوريكم آياتي} أي: نقمي وحكمي واقتداري على من عصاني، {فلا تستعجلون} . يخبر تعالى عن المشركين أنهم يستعجلون أيضا بوقوع العذاب بهم، تكذيبا وجحودا وكفرا وعنادا واستبعادا، فقال: {ويقولون متى هذا الوعد إن كنتم صادقين} قال الله تعالى: {لو يعلم الذين كفروا حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم} أي: لو تيقنوا أنها واقعة بهم لا محالة لما استعجلوا، به ولو يعلمون حين يغشاهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم، {لهم من فوقهم ظلل من النار ومن تحتهم ظلل} [الزمر:16] ، {لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش} [الأعراف:41] ، وقال في هذه الآية: {حين لا يكفون عن وجوههم النار ولا عن ظهورهم} وقال: {سرابيلهم من قطران وتغشى وجوههم النار} [إبراهيم:50] ، فالعذاب محيط بهم من جميع جهاتهم، {ولا هم ينصرون} أي: لا ناصر لهم كما قال: {وما لهم من الله من واق} [الرعد:34] . وقوله: {بل تأتيهم بغتة} (5) أي: "تأتيهم النار بغتة"، أي: فجأة {فتبهتهم} أي: تذعرهم (6) فيستسلمون لها حائرين، لا (7) يدرون ما يصنعون، {فلا يستطيعون ردها} أي: ليس لهم حيلة في ذلك، {ولا هم ينظرون} أي: ولا يؤخر عنهم ذلك ساعة …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٢٧٠) ↗

التحرير والتنوير

وضمير الفصل في قوله تعالى: هم كافرون يجوز أن يفيد الحصر، أي هم كافرون بالقرآن دون غيرهم ممن أسلم من أهل مكة وغيرهم من العرب لإفادة أن هؤلاء باقون على كفرهم مع توفر الآيات والنذر. ويجوز أن يكون الفصل لمجرد التأكيد تحقيقا لدوام كفرهم مع ظهور ما شأنه أن يقلعهم عن الكفر. [37] خلق الإنسان من عجل سأريكم آياتي فلا تستعجلون (37) جملة خلق الإنسان من عجل معترضة بين جملة وإذا رآك الذين كفروا [الأنبياء: 36] وبين جملة سأريكم آياتي، جعلت مقدمة لجملة سأريكم آياتي. أما جملة سأريكم آياتي فهي معترضة بين جملة وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا [الأنبياء: 36] وبين جملة ويقولون متى هذا الوعد [الأنبياء: 38] ، لأن قوله تعالى: وإذا رآك الذين كفروا إن يتخذونك إلا هزوا [الأنبياء: 36] يثير في نفوس المسلمين تساؤلا عن مدى إمهال المشركين، فكان قوله تعالى: سأريكم آياتي فلا تستعجلون استئنافا بيانيا جاء معترضا بين الجمل التي تحكي أقوال المشركين وما تفرع عليها. فالخطاب إلى المسلمين الذين كانوا يستبطئون حلول الوعيد الذي توعد فالله تعالى به المكذبين. ومناسبة موقع الجملتين أن ذكر استهزاء المشركين بالنبيء صلى الله عليه وسلم يهيج حنق المسلمين عليهم فيودوا أن ينزل بالمكذبين الوعيد عاجلا فخوطبوا بالتريث وأن لا يستعجلوا ربهم لأنه أعلم بمقتضى الحكمة في توقيت حلول الوعيد وما في تأخير نزوله من المصالح للدين.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/٦٧) ↗