البيانابحثاسألالموضوعات

سورة الأنبياء · الآية ٣٥

﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ ۗ وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً ۖ وَإِلَيْنَا تُرْجَعُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

لما كان أعداء الرسول يقولون تربصوا به ريب المنون. قال الله تعالى: هذا طريق مسلوك، ومعبد منهوك، فلم نجعل لبشر { من قبلك } يا محمد { الخلد } في الدنيا، فإذا مت، فسبيل أمثالك، من الرسل والأنبياء، والأولياء، وغيرهم. { أفإن مت فهم الخالدون } أي: فهل إذا مت خلدوا بعدك، فليهنهم الخلود إذا إن كان، وليس الأمر كذلك، بل كل من عليها فان، ولهذا قال: { كل نفس ذآئقة الموت } وهذا يشمل سائر نفوس الخلائق، وإن هذا كأس لا بد من شربه وإن طال بالعبد المدى، وعمر سنين، ولكن الله تعالى أوجد عباده في الدنيا، وأمرهم ونهاهم، وابتلاهم بالخير والشر، بالغنى والفقر، والعز والذل والحياة والموت، فتنة منه تعالى ليبلوهم أيهم أحسن عملا، ومن يفتتن عند مواقع الفتن ومن ينجو، { وإلينا ترجعون } فنجازيكم بأعمالكم، إن خيرا فخير، وإن شرا فشر وما ربك بظلم للعبيد [فصلت: 46] وهذه الآية، تدل على بطلان قول من يقول ببقاء الخضر، وأنه مخلد في الدنيا، فهو قول لا دليل عليه، ومناقض للأدلة الشرعية.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنبياء ٣٤–٣٥) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

وقوله: {أفإن مت} أي: يا محمد، {فهم الخالدون} ؟! أي: يؤملون أن يعيشوا بعدك، لا يكون هذا، بل كل إلى فناء؛ ولهذا قال: {كل نفس ذائقة الموت} ، وقد روي عن الشافعي، رحمه الله، أنه أنشد واستشهد بهذين البيتين: تمنى رجال أن أموت وإن أمت %~% فتلك سبيل لست فيها بأوحد فقل للذي يبغي خلاف الذي مضى: %~% تهيأ لأخرى مثلها فكأن قد (1) وقوله: {ونبلوكم بالشر والخير فتنة} أي: نختبركم بالمصائب تارة، وبالنعم أخرى، لننظر من يشكر ومن يكفر، ومن يصبر ومن يقنط، كما قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {ونبلوكم} ، يقول: نبتليكم بالشر والخير فتنة، بالشدة والرخاء، والصحة والسقم، والغنى والفقر، والحلال والحرام، والطاعة والمعصية والهدى والضلال.. وقوله: {وإلينا ترجعون} أي: فنجازيكم بأعمالكم. يقول تعالى لنبيه، صلوات الله وسلامه عليه، {وإذا رآك الذين كفروا} يعني: كفار قريش كأبي جهل وأشباهه {إن يتخذونك إلا هزوا} أي: يستهزئون بك وينتقصونك، يقولون: {أهذا الذي يذكر آلهتكم} يعنون: أهذا الذي يسب آلهتكم ويسفه أحلامكم، قال تعالى: {وهم بذكر الرحمن هم كافرون} أي: وهم كافرون بالله، ومع هذا يستهزئون برسول الله، كما قال في الآية الأخرى: {وإذا رأوك إن يتخذونك إلا هزوا أهذا الذي بعث الله رسولا. إن كاد ليضلنا عن آلهتنا لولا أن صبرنا عليها وسوف يعلمون حين يرون العذاب من أضل سبيلا} [الفرقان:41، 42] . وقوله: {خلق الإنسان من عجل} ، كما قال في الآية الأخرى: {وكان (1) الإنسان عجولا} [الإسراء:11] أي: في الأمور. قال مجاهد: خلق الله آدم بعد كل شيء من آخر النهار، من يوم خلق الخلائق فلما أحيا الروح عينيه ولسانه ورأسه، ولم يبلغ (2) أسفله قال: يا رب، استعجل بخلقي قبل غروب الشمس. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا يزيد بن هارون، أنبأنا محمد بن علقمة بن وقاص الليثي، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

لك من أن تموت كما مات من قبلك رسلنا يقول: فهؤلاء المشركون بربهم هم الخالدون في الدنيا بعدك؟ لا، ما ذلك كذلك، بل هم ميتون بكل حال عشت أو مت فأدخلت الفاء في (إن) وهي جزاء، وفي جوابه، لأن الجزاء متصل بكلام قبله، ودخلت أيضا في قوله {فهم} [البقرة: 18] لأنه جواب للجزاء، ولو لم يكن في قوله {فهم} [البقرة: 18] الفاء جاز على وجهين: أحدهما: أن تكون محذوفة وهي مرادة. والآخر أن يكون مرادا تقديمها إلى الجزاء، فكأنه قال: أفهم الخالدون إن مت وقوله: {كل نفس ذائقة الموت} [آل عمران: 185] يقول تعالى ذكره: كل نفس منفوسة من خلقه، معالجة غصص الموت، ومتجرعة كأسها

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٢٦٨) ↗

التحرير والتنوير

يقتضي أن الذين تمنوا ذلك وتربصوا به كأنهم واثقون بأنهم يموتون بعده فتتم شماتتهم، أو كأنهم لا يموتون أبدا فلا يشمت بهم أحد، وجه إليهم استفهام الإنكار على طريقة التعريض بتنزيلهم منزلة من يزعم أنهم خالدون. وفي الآية إيماء إلى أن الذين لم يقدر الله لهم الإسلام ممن قالوا ذلك القول سيموتون قبل موت النبيء عليه الصلاة والسلام فلا يشمتون به فإن الرسول صلى الله عليه وسلم لم يمت حتى أهلك الله رؤوس الذين عاندوه وهدى بقيتهم إلى الإسلام. ففي قوله تعالى: وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد طريقة القول بالموجب، أي أنك تموت كما قالوا ولكنهم لا يرون ذلك وهم بحال من يزعمون أنهم مخلدون فأيقنوا بأنهم يتربصون بك ريب المنون من فرط غرورهم، فالتفريع كان على ما في الجملة الأولى من القول بالموجب، أي ما هم بخالدين حتى يوقنوا أنهم يرون موتك. وفي الإنكار الذي هو في معنى النفي إنذار لهم بأنهم لا يرى موته منهم أحد. [35] 35] كل نفس ذائقة الموت ونبلوكم بالشر والخير فتنة وإلينا ترجعون (35) جمل معترضات بين الجملتين المتعاطفتين. ومضمون الجملة الأولى مؤكد لمضمون الجملة المعطوف عليها، وهي وما جعلنا لبشر من قبلك الخلد [الأنبياء: 34] . ووجه إعادتها اختلاف القصد فإن الأولى للرد على المشركين وهذه لتعليم المؤمنين. واستعير الذوق لمطلق الإحساس الباطني لأن الذوق إحساس باللسان يقارنه ازدراد إلى بالباطن.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/٦٣) ↗