سورة الأنبياء · الآية ١٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى، أنه تكفل بإحقاق الحق وإبطال الباطل، وإن كل باطل قيل وجودل به، فإن الله ينزل من الحق والعلم والبيان، ما يدمغه فيضمحل، ويتبين لكل أحد بطلانه { فإذا هو زاهق } أي: مضمحل، فان، وهذا عام في جميع المسائل الدينية، لا يورد مبطل شبهة عقلية ولا نقلية، في إحقاق باطل، أو رد حق، إلا وفي أدلة الله، من القواطع العقلية والنقلية، ما يذهب ذلك القول الباطل ويقمعه، فإذا هو متبين بطلانه لكل أحد. وهذا يتبين باستقراء المسائل، مسألة مسألة، فإنك تجدها كذلك ثم قال: { ولكم } أيها الواصفون الله، بما لا يليق به، من اتخاذ الولد والصاحبة، ومن الأنداد والشركاء، حظكم من ذلك، ونصيبكم الذي تدركون { الويل } والندامة والخسران. ليس لكم مما قلتم فائدة، ولا يرجع عليكم بعائدة تؤملونها، وتعملون لأجلها، وتسعون في الوصول إليها، إلا عكس مقصودكم، وهو الخيبة والحرمان، ثم أخبر أنه له ملك السماوات والأرض وما بينهما، فالكل عبيده ومماليكه، فليس لأحد منهم ملك ولا قسط من الملك، ولا معاونة عليه، ولا يشفع إلا بإذن الله، فكيف يتخذ من هؤلاء آلهة، وكيف يجعل لله منها ولد؟! فتعالى وتقدس المالك العظيم، الذي خضعت له الرقاب، وذلت له الصعاب، وخشعت له الملائكة المقربون، وأذعنوا له بالعبادة الدائمة المستمرة أجمعون، ولهذا قال: { ومن عنده } أي: من الملائكة { لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون } أي: لا يملون ولا يسأمونها، لشدة رغبتهم، وكمال محبتهم، وقوة أبدانهم. { يسبحون اليل والنهار لا يفترون } أي: مستغرقين في العبادة والتسبيح في جميع أوقاتهم، فليس في أوقاتهم وقت فارغ، ولا خال منها، وهم على كثرتهم بهذه الصفة، وفي هذا من بيان عظمته وجلالة سلطانه وكمال علمه وحكمته، ما يوجب أن لا يعبد إلا هو، ولا تصرف العبادة لغيره.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنبياء ١٨–٢٠) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… النخعي: {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه} من الحور العين. وقال عكرمة والسدي: المراد باللهو هاهنا: الولد. وهذا والذي قبله متلازمان، وهو كقوله تعالى: {لو أراد الله أن يتخذ ولدا لاصطفى مما يخلق ما يشاء سبحانه} [الزمر:4] ، فنزه نفسه عن اتخاذ الولد مطلقا، لا سيما عما يقولون من الإفك والباطل، من اتخاذ عيسى، أو العزير (1) أو الملائكة، {سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا} [الإسراء:43] . وقوله: {إن كنا فاعلين} قال قتادة، والسدي، وإبراهيم النخعي، ومغيرة بن مقسم، أي: ما كنا فاعلين. وقال مجاهد: كل شيء في القرآن "إن" فهو إنكار. وقوله: {بل نقذف بالحق على الباطل} أي: نبين الحق فيدحض الباطل؛ ولهذا قال: {فيدمغه فإذا هو زاهق} أي: ذاهب مضمحل، {ولكم الويل} أي: أيها القاتلون: لله ولد، {مما تصفون} أي: تقولون وتفترون. ثم أخبر تعالى عن عبودية الملائكة له، ودأبهم في طاعته ليلا ونهارا، فقال: {وله من في السماوات والأرض ومن عنده} يعني: الملائكة، {لا يستكبرون عن عبادته} أي: لا يستنكفون عنها، كما قال: {لن يستنكف المسيح أن يكون عبدا لله ولا الملائكة المقربون ومن يستنكف عن عبادته ويستكبر فسيحشرهم إليه جميعا} [النساء:172] . وقوله: {ولا يستحسرون} أي: لا يتعبون ولا يملون. {يسبحون الليل والنهار لا يفترون} فهم دائبون في العمل ليلا ونهارا، مطيعون قصدا وعملا قادرون عليه، كما قال تعالى: {لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون} [التحريم:6] . وقال ابن أبي حاتم: حدثنا علي بن أبي دلامة البغدادي، أنبأنا عبد الوهاب بن عطاء، حدثنا سعيد، عن قتادة، عن صفوان بن محرز، عن حكيم بن حزام قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أصحابه، إذ قال لهم: "هل تسمعون ما أسمع؟ " قالوا: ما نسمع من شيء. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إني لأسمع أطيط السماء، وما تلام أن تئط، وما فيها موضع شبر إلا وعليه ملك ساجد أو قائم". غريب …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
الدماغ، وإذا بلغت الشجة ذلك من المشجوج لم يكن له بعدها حياة وقوله {فإذا هو زاهق} [الأنبياء: 18] يقول: فإذا هو هالك مضمحل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٢٤٠) ↗التحرير والتنوير
لكان ما يلهو به حاصلا في أشرف الأماكن من السماوات فإنها أشد اختصاصا بالله تعالى إذ جعل سكانها عبادا له مخلصين، فلذلك عبر عنها باسم الظرف المختص وهو لدن مضافا إلى ضمير الجلالة بقوله تعالى من لدنا، أي غير العوالم المختصة بكم بل لكان في عالم الغيب الذي هو أشد اختصاصا بنا إذ هو عالم الملائكة المقربين. فالظرفية المفادة من لدن ظرفية مجازية. وإضافة لدن إلى ضمير الجلالة دلالة على الرفعة والتفضيل كقوله تعالى رزقا من لدنا في سورة [القصص: 57] ، وقوله تعالى: وهب لنا من لدنك رحمة في سورة [آل عمران: 8] ، أي لو أردنا أن نتخذ لهوا لما كان اتخاذه في عالم شهادتكم. وهذا استدلال باللزوم العرفي لأن شأن من يتخذ شيئا للتفكه به أن يستأثر به ولا يبيحه لغيره وهو مبني على متعارف عقول المخاطبين من ظنهم أن العوالم العليا أقرب إلى الله تعالى. وجملة إن كنا فاعلين إن جعلت (إن) شرطية فارتباطها بالتي قبلها ارتباط الشرط بجزائه المحذوف الدال عليه جواب (لو) وهو جملة لاتخذناه فيكون تكريرا للتلازم وإن جعلت (إن) حرف نفي كانت الجملة مستأنفة لتقرير الامتناع المستفاد من (لو) ، أي ما كنا فاعلين لهوا. [18] بل نقذف بالحق على الباطل فيدمغه فإذا هو زاهق ولكم الويل مما تصفون (18) (بل) للإضراب عن اتخاذ اللهو وعن أن يكون الخلق لعبا إضراب إبطال وارتقاء، أي بل نحن نعمد إلى باطلكم فنقذف بالحق عليه كراهية للباطل بله أن نعمل عملا هو باطل ولعب.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/٣٣) ↗