سورة الأنبياء · الآية ١٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى - محذرا لهؤلاء الظالمين، المكذبين للرسول، بما فعل بالأمم المكذبة لغيره من الرسل - { وكم قصمنا } أي: أهلكنا بعذاب مستأصل { من قرية } تلفت عن آخرها { وأنشأنا بعدها قوما آخرين } وأن هؤلاء المهلكين، لما أحسوا بعذاب الله وعقابه، وباشرهم نزوله، لم يمكن لهم الرجوع، ولا طريق لهم إلى النزوع، وإنما ضربوا الأرض بأرجلهم، ندما وقلقا، وتحسرا على ما فعلوا وهروبا من وقوعه، فقيل لهم على وجه التهكم بهم: { لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون } أي: لا يفيدكم الركوض والندم، ولكن إن كان لكم اقتدار، فارجعوا إلى ما أترفتم فيه، من اللذات والمشتهيات، ومساكنكم المزخرفات، ودنياكم التي غرتكم وألهتكم، حتى جاءكم أمر الله، فكونوا فيها متمكنين، وللذاتها جانين، وفي منازلكم مطمئنين معظمين، لعلكم أن تكونوا مقصودين في أموركم كما كنتم سابقا، مسئولين من مطالب الدنيا كحالتكم الأولى، وهيهات، أين الوصول إلى هذا؟ وقد فات الوقت، وحل بهم العقاب والمقت، وذهب عنهم عزهم وشرفهم ودنياهم، وحضرهم ندمهم وتحسرهم؟. ولهذا { قالوا يويلنآ إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعواهم } أي: الدعاء بالويل والثبور والندم، والإقرار على أنفسهم بالظلم، وأن الله عادل فيما أحل بهم، { حتى جعلناهم حصيدا خامدين } أي: بمنزلة النبات الذي قد حصد وأنيم، قد خمدت منهم الحركات، وسكنت منهم الأصوات، فاحذروا - أيها المخاطبون - أن تستمروا على تكذيب أشرف الرسل، فيحل بكم كما حل بأولئك.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنبياء ١١–١٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون} [الزخرف: 44] . وقوله: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة} هذه صيغة تكثير، كما قال {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح} [الإسراء: 17] . وقال تعالى: {فكأين (1) من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد} [الحج:45] . وقوله: {وأنشأنا بعدها قوما آخرين} أي: أمة أخرى بعدهم. {فلما أحسوا بأسنا} أي: تيقنوا أن العذاب واقع (2) بهم، كما وعدهم نبيهم، {إذا هم منها يركضون} أي: يفرون هاربين. {لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم} هذا تهكم بهم قدرا أي: قيل لهم قدرا: لا تركضوا هاربين من نزول العذاب، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور، والمعيشة والمساكن الطيبة. قال قتادة: استهزاء بهم. {لعلكم تسألون} أي: عما كنتم فيه من أداء شكر النعمة. {قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين} اعترفوا بذنوبهم حين لا ينفعهم ذلك، {فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين} أي: ما (3) زالت تلك المقالة، وهي الاعتراف بالظلم، هجيراهم حتى حصدناهم حصدا (4) وخمدت حركاتهم وأصواتهم خمودا. يخبر تعالى أنه خلق السموات والأرض بالحق، أي: بالعدل والقسط، {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} [النجم:31] ، وأنه لم يخلق ذلك عبثا ولا لعبا، كما قال: {وما خلقنا السماء (5) والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} وقوله تعالى: {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا} يعني: من عندنا، يقول: وما خلقنا جنة ولا نارا، ولا موتا، ولا بعثا، ولا حسابا. وقال الحسن، وقتادة، وغيرهما: {لو أردنا أن نتخذ لهوا} اللهو: المرأة بلسان أهل اليمن.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣٣٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ذكر من قال ذلك حدثنا بشر، قال: ثنا يزيد، قال: ثنا سعيد، عن قتادة، قوله: {فما زالت تلك PageEndV16P237 دعواهم} [الأنبياء: 15] الآية فلما رأوا العذاب وعاينوه لم يكن لهم هجيرى إلا قولهم: {يا ويلنا إنا كنا ظالمين} [الأنبياء: 14] حتى دمر الله عليهم وأهلكهم حدثنا محمد بن عبد الأعلى قال: ثنا محمد بن ثور، عن معمر، عن قتادة: {قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين} [الأنبياء: 15] يقول: حتى هلكوا حدثنا القاسم، قال: ثنا الحسين، قال: ثني حجاج، عن ابن جريج،، قال ابن عباس: {حصيدا} [يونس: 24] الحصاد، {خامدين} [الأنبياء: 15] خمود النار إذا طفئت حدثنا سعيد بن الربيع، قال: ثنا سفيان، عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، قال: إنهم كانوا أهل حصون، وإن الله بعث عليهم بختنصر، فبعث إليهم جيشا فقتلهم بالسيف، وقتلوا نبيا لهم، فحصدوا بالسيف، وذلك قوله {فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين} [الأنبياء: 15] بالسيف
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٢٣٧) ↗التحرير والتنوير
وقوله تعالى لعلكم تسئلون من جملة التهكم. وذكر المفسرون في معنى تسئلون احتمالات ستة. أظهرها: أن المعنى: ارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعيم لتروا ما آل إليه فلعلكم يسألكم سائل عن حال ما أصابكم فتعلموا كيف تجيبون لأن شأن المسافر أن يسأله الذين يقدم إليهم عن حال البلاد التي تركها من خصب ورخاء أو ضد ذلك، وفي هذا تكملة للتهكم. وجملة قالوا يا ويلنا إن جعلت جملة لا تركضوا معترضة على ما قررته آنفا تكون هذه مستأنفة استئنافا بيانيا عن جملة إذا هم منها يركضون كأن سائلا سأل عما يقولونه حين يسرعون هاربين لأن شأن الهارب الفزع أن تصدر منه أقوال تدل على الفزع أو الندم عن الأسباب التي أحلت به المخاوف فيجاب بأنهم أيقنوا حين يرون العذاب أنهم كانوا ظالمين فيقرون بظلمهم وينشئون التلهف والتندم بقولهم يا ويلنا إنا كنا ظالمين. وإن جعلت جملة لا تركضوا مقول قول محذوف على ما ذهب إليه المفسرون كانت جملة قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين جوابا لقول من قال لهم لا تركضوا على وجه التهكم بهم ويكون فصل الجملة لأنها واقعة في موقع المحاورة كما بيناه غير مرة، أي قالوا: قد عرفنا ذنبنا وحق التهكم بنا. فاعترفوا بذنبهم. قال تعالى: فاعترفوا بذنبهم فسحقا لأصحاب السعير في سورة [الملك: 11] . [15] فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين (15) تفريع على جملة قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين [الأنبياء: 14] ، فاسم تلك إشارة إلى القول المستفاد من قوله تعالى قالوا يا ويلنا [الأنبياء: 14] ، وتأنيثه لأنه
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/٢٧) ↗