سورة الأنبياء · الآية ١٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يقول تعالى - محذرا لهؤلاء الظالمين، المكذبين للرسول، بما فعل بالأمم المكذبة لغيره من الرسل - { وكم قصمنا } أي: أهلكنا بعذاب مستأصل { من قرية } تلفت عن آخرها { وأنشأنا بعدها قوما آخرين } وأن هؤلاء المهلكين، لما أحسوا بعذاب الله وعقابه، وباشرهم نزوله، لم يمكن لهم الرجوع، ولا طريق لهم إلى النزوع، وإنما ضربوا الأرض بأرجلهم، ندما وقلقا، وتحسرا على ما فعلوا وهروبا من وقوعه، فقيل لهم على وجه التهكم بهم: { لا تركضوا وارجعوا إلى مآ أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسألون } أي: لا يفيدكم الركوض والندم، ولكن إن كان لكم اقتدار، فارجعوا إلى ما أترفتم فيه، من اللذات والمشتهيات، ومساكنكم المزخرفات، ودنياكم التي غرتكم وألهتكم، حتى جاءكم أمر الله، فكونوا فيها متمكنين، وللذاتها جانين، وفي منازلكم مطمئنين معظمين، لعلكم أن تكونوا مقصودين في أموركم كما كنتم سابقا، مسئولين من مطالب الدنيا كحالتكم الأولى، وهيهات، أين الوصول إلى هذا؟ وقد فات الوقت، وحل بهم العقاب والمقت، وذهب عنهم عزهم وشرفهم ودنياهم، وحضرهم ندمهم وتحسرهم؟. ولهذا { قالوا يويلنآ إنا كنا ظالمين * فما زالت تلك دعواهم } أي: الدعاء بالويل والثبور والندم، والإقرار على أنفسهم بالظلم، وأن الله عادل فيما أحل بهم، { حتى جعلناهم حصيدا خامدين } أي: بمنزلة النبات الذي قد حصد وأنيم، قد خمدت منهم الحركات، وسكنت منهم الأصوات، فاحذروا - أيها المخاطبون - أن تستمروا على تكذيب أشرف الرسل، فيحل بكم كما حل بأولئك.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: الأنبياء ١١–١٥) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
{وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون} [الزخرف: 44] . وقوله: {وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة} هذه صيغة تكثير، كما قال {وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح} [الإسراء: 17] . وقال تعالى: {فكأين (1) من قرية أهلكناها وهي ظالمة فهي خاوية على عروشها وبئر معطلة وقصر مشيد} [الحج:45] . وقوله: {وأنشأنا بعدها قوما آخرين} أي: أمة أخرى بعدهم. {فلما أحسوا بأسنا} أي: تيقنوا أن العذاب واقع (2) بهم، كما وعدهم نبيهم، {إذا هم منها يركضون} أي: يفرون هاربين. {لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم} هذا تهكم بهم قدرا أي: قيل لهم قدرا: لا تركضوا هاربين من نزول العذاب، وارجعوا إلى ما كنتم فيه من النعمة والسرور، والمعيشة والمساكن الطيبة. قال قتادة: استهزاء بهم. {لعلكم تسألون} أي: عما كنتم فيه من أداء شكر النعمة. {قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين} اعترفوا بذنوبهم حين لا ينفعهم ذلك، {فما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيدا خامدين} أي: ما (3) زالت تلك المقالة، وهي الاعتراف بالظلم، هجيراهم حتى حصدناهم حصدا (4) وخمدت حركاتهم وأصواتهم خمودا. يخبر تعالى أنه خلق السموات والأرض بالحق، أي: بالعدل والقسط، {ليجزي الذين أساءوا بما عملوا ويجزي الذين أحسنوا بالحسنى} [النجم:31] ، وأنه لم يخلق ذلك عبثا ولا لعبا، كما قال: {وما خلقنا السماء (5) والأرض وما بينهما باطلا ذلك ظن الذين كفروا فويل للذين كفروا من النار} وقوله تعالى: {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا إن كنا فاعلين} قال ابن أبي نجيح، عن مجاهد: {لو أردنا أن نتخذ لهوا لاتخذناه من لدنا} يعني: من عندنا، يقول: وما خلقنا جنة ولا نارا، ولا موتا، ولا بعثا، ولا حسابا. وقال الحسن، وقتادة، وغيرهما: {لو أردنا أن نتخذ لهوا} اللهو: المرأة بلسان أهل اليمن.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣٣٥) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أنفسهم: {يا ويلنا إنا كنا ظالمين} [الأنبياء: 14] حتى قتلهم اللهفحصدهم بالسيف، كما يحصد الزرع، ويستأصل قطعا بالمناجل. وقوله {خامدين} [الأنبياء: 15] يقول: هالكين، قد انطفأت شرارتهم، وسكنت حركتهم، فصاروا همودا كما تخمد النار فتطفأ وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٢٣٦) ↗التحرير والتنوير
وقد فسر السلف هذه الآية بالمعنيين. وفي «تفسير الطبري» هنا قال جماعة: معنى «فيه ذكركم» أنه الشرف، أي فيه شرفكم. وقال ابن عطية: يحتمل أن يريد فيه شرفكم وذكركم آخر الدهر كما تذكر عظام الأمور، وقد فسر بمثل ذلك قوله تعالى وإنه لذكر لك ولقومك [الزخرف: 44] . وعلى المعنيين يكون لتفريع قوله تعالى أفلا تعقلون أحسن موقع لأن الاستفهام الإنكاري لنفي عقلهم متجه على كلا المعنيين فإن من جاءه ما به هديه فلم يهتد ينكر عليه سوء عقله، ومن جاءه ما به مجده وسمعته فلم يعبأ به ينكر عليه سوء قدره للأمور حق قدرها كما يكون الفضل في مثله مضاعفا. وأيضا فهو متفرع على الإقناع بإنزال القرآن آية تفوق الآيات التي سألوا مثلها وهو المفاد من الاستئناف ومن تأكيد الجملة بالقسم وحرف التحقيق قال تعالى: أولم يكفهم أنا أنزلنا عليك الكتاب يتلى عليهم إن في ذلك لرحمة وذكرى لقوم يؤمنون في سورة [العنكبوت: 51] ، وذلك لإعجازه اللفظي والمعنوي. [11- 14] وكم قصمنا من قرية كانت ظالمة وأنشأنا بعدها قوما آخرين (11) فلما أحسوا بأسنا إذا هم منها يركضون (12) لا تركضوا وارجعوا إلى ما أترفتم فيه ومساكنكم لعلكم تسئلون (13) قالوا يا ويلنا إنا كنا ظالمين (14) عطف على قوله ما آمنت قبلهم من قرية أهلكناها [الأنبياء: 6] أو على قوله تعالى وأهلكنا المسرفين، وهو تعريض بالتهديد.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/٢٣) ↗