البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة الأنبياء · الآية ١١٠

﴿إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

يثني الله تعالى على كتابه العزيز " القرآن " ويبين كفايته التامة عن كل شيء، وأنه لا يستغنى عنه فقال: { إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين } أي: يتبلغون به في الوصول إلى ربهم، وإلى دار كرامته، فيوصلهم إلى أجل المطالب، وأفضل الرغائب. وليس للعابدين، الذين هم أشرف الخلق، وراءه غاية، لأنه الكفيل بمعرفة ربهم، بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وبالإخبار بالغيوب الصادقة، وبالدعوة لحقائق الإيمان، وشواهد الإيقان، المبين للمأمورات كلها، والمنهيات جميعها، المعرف بعيوب النفس والعمل، والطرق التي ينبغي سلوكها في دقيق الدين وجليله، والتحذير من طرق الشيطان وبيان مداخله على الإنسان، فمن لم يغنه القرآن فلا أغناه الله، ومن لا يكفيه فلا كفاه الله. ثم أثنى على رسوله الذي جاء بالقرآن، فقال: { ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين } فهو رحمته المهداة لعباده، فالمؤمنون به قبلوا هذه الرحمة وشكروها وقاموا بها، وغيرهم كفرها، وبدلوا نعمة الله كفرا، وأبوا رحمة الله ونعمته. { قل } يا محمد { إنمآ يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد } الذي لا يستحق العبادة إلا هو، ولهذا قال: { فهل أنتم مسلمون } أي: منقادون لعبوديته مستسلمون لألوهيته، فإن فعلوا فليحمدوا ربهم على ما من عليهم بهذه النعمة التي فاقت المنن. { فإن تولوا } عن الانقياد لعبودية ربهم، فحذرهم حلول المثلات، ونزول العقوبة. { فقل ءاذنتكم } أي: أعلمتكم بالعقوبة { على سوآء } أي علمي وعلمكم بذلك مستو، فلا تقولوا - إذا أنزل بكم العذاب: ما جآءنا من بشير ولا نذير [المائدة: 19] بل الآن، استوى علمي وعلمكم لما أنذرتكم وحذرتكم وأعلمتكم بمآل الكفر، ولم أكتم عنكم شيئا. { وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون } أي: من العذاب لأن علمه عند الله، وهو بيده، ليس لي من الأمر شيء. { وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين } أي: لعل تأخير العذاب الذي استعجلتموه شر لكم، وأن تتمتعوا في الدنيا إلى حين، ثم يكون أعظم …

أكمل القراءة في الكتاب ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

يقول تعالى آمرا رسوله، صلوات الله وسلامه عليه، أن يقول للمشركين: {إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون} أي: متبعون على ذلك، مستسلمون منقادون (1) له. {فإن تولوا} أي: تركوا ما دعوتهم إليه، {فقل آذنتكم على سواء} أي: أعلمتكم أني حرب لكم، كما أنكم حرب لي، بريء منكم كما أنكم برآء مني، كقوله: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} [يونس: 41] . وقال {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} [الأنفال: 58] : ليكن (2) علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء، وهكذا هاهنا، {فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء} أي: أعلمتكم ببراءتي منكم، وبراءتكم مني؛ لعلمي بذلك. وقوله: {وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون} أي: هو واقع لا محالة، ولكن لا علم لي بقربه ولا ببعده، {إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون} أي: إن الله يعلم الغيب جميعه، ويعلم ما يظهره العباد وما يسرون، يعلم الظواهر والضمائر، ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما العباد عاملون في أجهارهم وأسرارهم، وسيجزيهم على ذلك، على القليل والجليل. وقوله: {وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين} أي: وما أدري لعل هذا فتنة لكم ومتاع إلى حين. قال ابن جرير: لعل تأخير ذلك (3) عنكم فتنة لكم، ومتاع إلى أجل مسمى (4) . وحكاه عون، عن ابن عباس، والله أعلم. {قال رب احكم بالحق} أي: افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالحق. قال قتادة: كان الأنبياء، عليهم السلام، يقولون: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} [الأعراف: 89] ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك. وعن مالك، عن زيد بن أسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شهد قتالا قال: {رب احكم بالحق} . وقوله: {وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون} أي: على ما يقولون ويفترون من الكذب، ويتنوعون في مقامات التكذيب والإفك، والله المستعان عليكم في ذلك (5) .

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣٨٨) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

سواء عنده خفيه وظاهره، وسره وعلانيته، إنه لا يخفى عليه منه شيء، فإن أخر عنكم عقابه على ما PageEndV16P443 تخفون من الشرك به، أو تجهرون به، فما أدري ما السبب الذي من أجله يؤخر ذلك عنكم؟ لعل تأخيره ذلك عنكم مع وعده إياكم لفتنة يريدها بكم، ولتتمتعوا بحياتكم إلى أجل قد جعله لكم تبلغونه، ثم ينزل بكم حينئذ نقمته. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٤٤٢) ↗

التحرير والتنوير

وقوله: وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون يشمل كل ما يوعدونه من عقاب في الدنيا والآخرة إن عاشوا أو ماتوا. و (إن) نافية وعلق فعل أدري عن العمل بسبب حرف الاستفهام وحذف العائد. وتقديره: ما توعدون به. [110] 110] إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون (110) جملة معترضة بين الجمل المتعاطفة. وضمير الغائب عائد إلى الله تعالى بقرينة المقام. والمقصود من الجملة تعليل الإنذار بتحقيق حلول الوعيد بهم وتعليل عدم العلم بقربه أو بعده علل ذلك بأن الله تعالى يعلم جهرهم وسرهم وهو الذي يؤاخذهم عليه وهو الذي يعلم متى يحل بهم عذابه. وعائد الموصول في قوله تعالى: ما تكتمون ضمير محذوف. [111] وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين (111) عطف على جملة وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون [الأنبياء: 109] . والضمير الذي هو اسم (لعل) عائد إلى ما يدل عليه قوله تعالى: أقريب أم بعيد ما توعدون من أنه أمر منتظر الوقوع وأنه تأخر عن وجود موجبه، والتقدير: لعل تأخيره فتنة لكم، أو لعل تأخير ما توعدون فتنة لكم، أي ما أدري حكمة هذا التأخير فلعله فتنة لكم أرادها الله ليملي لكم إذ بتأخير الوعد يزدادون في التكذيب والتولي وذلك فتنة. والفتنة: اختلال الأحوال المفضي إلى ما فيه مضرة.

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/١٧٤) ↗