سورة الأنبياء · الآية ١٠٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يثني الله تعالى على كتابه العزيز " القرآن " ويبين كفايته التامة عن كل شيء، وأنه لا يستغنى عنه فقال: { إن في هذا لبلاغا لقوم عابدين } أي: يتبلغون به في الوصول إلى ربهم، وإلى دار كرامته، فيوصلهم إلى أجل المطالب، وأفضل الرغائب. وليس للعابدين، الذين هم أشرف الخلق، وراءه غاية، لأنه الكفيل بمعرفة ربهم، بأسمائه، وصفاته، وأفعاله، وبالإخبار بالغيوب الصادقة، وبالدعوة لحقائق الإيمان، وشواهد الإيقان، المبين للمأمورات كلها، والمنهيات جميعها، المعرف بعيوب النفس والعمل، والطرق التي ينبغي سلوكها في دقيق الدين وجليله، والتحذير من طرق الشيطان وبيان مداخله على الإنسان، فمن لم يغنه القرآن فلا أغناه الله، ومن لا يكفيه فلا كفاه الله. ثم أثنى على رسوله الذي جاء بالقرآن، فقال: { ومآ أرسلناك إلا رحمة للعالمين } فهو رحمته المهداة لعباده، فالمؤمنون به قبلوا هذه الرحمة وشكروها وقاموا بها، وغيرهم كفرها، وبدلوا نعمة الله كفرا، وأبوا رحمة الله ونعمته. { قل } يا محمد { إنمآ يوحى إلي أنمآ إلهكم إله واحد } الذي لا يستحق العبادة إلا هو، ولهذا قال: { فهل أنتم مسلمون } أي: منقادون لعبوديته مستسلمون لألوهيته، فإن فعلوا فليحمدوا ربهم على ما من عليهم بهذه النعمة التي فاقت المنن. { فإن تولوا } عن الانقياد لعبودية ربهم، فحذرهم حلول المثلات، ونزول العقوبة. { فقل ءاذنتكم } أي: أعلمتكم بالعقوبة { على سوآء } أي علمي وعلمكم بذلك مستو، فلا تقولوا - إذا أنزل بكم العذاب: ما جآءنا من بشير ولا نذير [المائدة: 19] بل الآن، استوى علمي وعلمكم لما أنذرتكم وحذرتكم وأعلمتكم بمآل الكفر، ولم أكتم عنكم شيئا. { وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون } أي: من العذاب لأن علمه عند الله، وهو بيده، ليس لي من الأمر شيء. { وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين } أي: لعل تأخير العذاب الذي استعجلتموه شر لكم، وأن تتمتعوا في الدنيا إلى حين، ثم يكون أعظم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى آمرا رسوله، صلوات الله وسلامه عليه، أن يقول للمشركين: {إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون} أي: متبعون على ذلك، مستسلمون منقادون (1) له. {فإن تولوا} أي: تركوا ما دعوتهم إليه، {فقل آذنتكم على سواء} أي: أعلمتكم أني حرب لكم، كما أنكم حرب لي، بريء منكم كما أنكم برآء مني، كقوله: {وإن كذبوك فقل لي عملي ولكم عملكم أنتم بريئون مما أعمل وأنا بريء مما تعملون} [يونس: 41] . وقال {وإما تخافن من قوم خيانة فانبذ إليهم على سواء} [الأنفال: 58] : ليكن (2) علمك وعلمهم بنبذ العهود على السواء، وهكذا هاهنا، {فإن تولوا فقل آذنتكم على سواء} أي: أعلمتكم ببراءتي منكم، وبراءتكم مني؛ لعلمي بذلك. وقوله: {وإن أدري أقريب أم بعيد ما توعدون} أي: هو واقع لا محالة، ولكن لا علم لي بقربه ولا ببعده، {إنه يعلم الجهر من القول ويعلم ما تكتمون} أي: إن الله يعلم الغيب جميعه، ويعلم ما يظهره العباد وما يسرون، يعلم الظواهر والضمائر، ويعلم السر وأخفى، ويعلم ما العباد عاملون في أجهارهم وأسرارهم، وسيجزيهم على ذلك، على القليل والجليل. وقوله: {وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين} أي: وما أدري لعل هذا فتنة لكم ومتاع إلى حين. قال ابن جرير: لعل تأخير ذلك (3) عنكم فتنة لكم، ومتاع إلى أجل مسمى (4) . وحكاه عون، عن ابن عباس، والله أعلم. {قال رب احكم بالحق} أي: افصل بيننا وبين قومنا المكذبين بالحق. قال قتادة: كان الأنبياء، عليهم السلام، يقولون: {ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين} [الأعراف: 89] ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقول ذلك. وعن مالك، عن زيد بن أسلم: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا شهد قتالا قال: {رب احكم بالحق} . وقوله: {وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون} أي: على ما يقولون ويفترون من الكذب، ويتنوعون في مقامات التكذيب والإفك، والله المستعان عليكم في ذلك (5) .
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣٨٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
أنتم مسلمون} [هود: 14] يقول: فهل أنتم مذعنون له أيها المشركون العابدون الأوثان والأصنام بالخضوع لذلك، ومتبرئون من عبادة ما دونه من آلهتكم؟
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٤٤١) ↗التحرير والتنوير
في بئر فملأ خفه ماء وأمسكه بفمه حتى رقي فسقى الكلب فغفر الله له» . أما المؤذي والمضر من الحيوان فقد أذن في قتله وطرده لترجيح رحمة الناس على رحمة البهائم. وهي تفاصيل الأحكام من هذا القبيل كثرة لا يعوز الفقيه تتبعها. [108] 108] قل إنما يوحى إلي أنما إلهكم إله واحد فهل أنتم مسلمون (108) عقب الوصف الجامع لرسالة محمد صلى الله عليه وسلم من حيث ما لها من الأثر في أحوال البشر بوصف جامع لأصل الدعوة الإسلامية في ذاتها الواجب على كل متبع لها وهو الإيمان بوحدانية الله تعالى وإبطال إلهية ما سواه، لنبذ الشرك المبثوث بين الأمم يومئذ. وللاهتمام بذلك صدرت جملته بالأمر بأن يقول لهم لاستصغاء أسماعهم. وصيغت الجملة في صيغة حصر الوحي إليه في مضمونها لأن مضمونها هو أصل الشريعة الأعظم، وكل ما تشتمل عليه الشريعة متفرع عليه، فالدعوة إليه هي مقادة الاجتلاب إلى الشريعة كلها، إذ كان أصل الخلاف يومئذ بين الرسول ومعانديه هو قضية الوحدانية ولذلك قالوا: أجعل الآلهة إلها واحدا إن هذا لشيء عجاب [ص: 5] . وما كان إنكارهم البعث إلا لأنهم لم يجدوه في دين شركهم إذ كان الذين وضعوا لهم الشرك لا يحدثونهم إلا عن حالهم في الدنيا فما كان تصلبهم في إنكار البعث إلا شعبة من شعب الشرك. فلا جرم كان الاهتمام بتقرير الوحدانية تضييقا لشقة الخلاف بين النبيء وبين المشركين المعرضين الذين افتتحت السورة بوصف حالهم بقوله تعالى:
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٧/١٧٠) ↗