سورة طه · الآية ٩١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: إن اتخاذهم العجل، ليسوا معذورين فيه، فإنه وإن كانت عرضت لهم الشبهة في أصل عبادته، فإن هارون قد نهاهم عنه، وأخبرهم أنه فتنة، وأن ربهم الرحمن، الذي منه النعم الظاهرة والباطنة، الدافع للنقم وأنه أمرهم أن يتبعوه ويعتزلوا العجل، فأبوا وقالوا: { لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى }. فأقبل موسى على أخيه لائما له، وقال: { يهرون ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن } فتخبرني لأبادر للرجوع إليهم؟ { أفعصيت أمري } في قولي اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين [الأعراف: 142]. فأخذ موسى برأس هارون ولحيته، يجره من الغضب والعتب عليه فقال هارون { يبنؤم } ترقيق له، وإلا فهو شقيقه { لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرآءيل ولم ترقب قولي } فإنك أمرتني أن أخلفك فيهم، فلو تبعتك، لتركت ما أمرتني بلزومه وخشيت لائمتك و { أن تقول فرقت بين بني إسرآءيل } حيث تركتهم، وليس عندهم راع ولا خليفة، فإن هذا يفرقهم ويشتت شملهم، فلا تجعلني مع القوم الظالمين، ولا تشمت فينا الأعداء، فندم موسى على ما صنع بأخيه، وهو غير مستحق لذلك ف قال رب اغفر لي ولأخي وأدخلنا في رحمتك وأنت أرحم الراحمين [الأعراف: 151] ثم أقبل على السامري.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: طه ٩٠–٩٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يخبر تعالى عما كان من نهي هارون، عليه السلام، لهم عن عبادة العجل، وإخباره إياهم: إنما هذا فتنة لكم {وإن ربكم الرحمن} الذي خلق كل شيء فقدره تقديرا، ذو العرش المجيد، الفعال لما يريد {فاتبعوني} أي: فيما آمركم به، واتركوا ما أنهاكم عنه. {قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى} أي: لا نترك عبادته حتى نسمع كلام موسى فيه. وخالفوا هارون في ذلك وحاربوه وكادوا أن يقتلوه. يقول مخبرا عن موسى، عليه السلام، حين رجع إلى قومه، فرأى ما قد حدث فيهم من الأمر العظيم، فامتلأ عند ذلك غيظا، (1) وألقى ما كان في يده من الألواح الإلهية، وأخذ برأس أخيه يجره إليه، وقد قدمنا في "الأعراف" بسط ذلك، وذكرنا هناك حديث "ليس الخبر كالمعاينة". وشرع يلوم أخاه (2) هارون فقال: {ما منعك إذ رأيتهم ضلوا * ألا تتبعن} أي: فتخبرني بهذا الأمر أول ما وقع {أفعصيت أمري} أي: فيما كنت تقدمت إليك، وهو قوله: {اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} [الأعراف: 142] . قال: {يا ابن أم} ترفق له بذكر الأم مع أنه شقيقه لأبويه؛ لأن ذكر الأم هاهنا أرق وأبلغ، أي: في الحنو والعطف؛ ولهذا قال: {يا ابن أم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل ولم ترقب قولي} . هذا اعتذار من هارون عند موسى في سبب تأخره عنه، حيث لم يلحقه فيخبره بما كان من هذا الخطب الجسيم قال {إني خشيت} أن أتبعك فأخبرك بهذا، فتقول لي: لم تركتهم وحدهم وفرقت بينهم {ولم ترقب قولي} أي: وما راعيت ما أمرتك به حيث استخلفتك فيهم. قال ابن عباس: وكان هارون هائبا له مطيعا.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣١٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
والقائلين له {هذا إلهكم وإله موسى فنسي} [طه: 88] وعابهم بذلك، وسفه أحلامهم بما فعلوا ونالوا منه: أفلا يرون أن العجل الذي زعموا أنه إلههم وإله موسى لا يكلمهم، وإن كلموه لم يرد عليهم جوابا، ولا يقدر على ضر ولا نفع، فكيف يكون ما كانت هذه صفته إلها؟
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/١٤٣) ↗التحرير والتنوير
وليس في كتاب التوراة ما يشير إلى أكثر من صنع بني إسرائيل العجل من ذهب اتخذوه إلها في مدة مغيب موسى، وأن سبب ذلك استبطاؤهم رجوع موسى قالوا لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى [طه: 91] . وقوله هنا هم أولاء على أثري يدل على أنهم كانوا سائرين خلفه وأنه سبقهم إلى المناجاة. واعتذر عن تعجله بأنه عجل إلى استجابة أمر الله مبالغة في إرضائه، فقوله تعالى: فإنا قد فتنا قومك من بعدك فيه ضرب من الملام على التعجل بأنه تسبب عليه حدوث فتنة في قومه ليعلمه أن لا يتجاوز ما وقت له ولو كان لرغبة في ازدياد من الخير. والأثر- بفتحتين-: ما يتركه الماشي على الأرض من علامات قدم أو حافر أو خف. ويقال: إثر- بكسر الهمزة وسكون الثاء- وهما لغتان فصيحتان كما ذكر ثعلب. فمعنى قولهم: جاء على إثره، جاء مواليا له بقرب مجيئه، شبه الجائي الموالي بالذي يمشي على علامات أقدام من مشى قبله قبل أن يتغير ذلك الأثر بأقدام أخرى، ووجه الشبه هو موالاته وأنه لم يسبقه غيره. والمعنى: هم أولاء سائرون على مواقع أقدامي، أي موالون لي في الوصول. ومنه قول النبيء صلى الله عليه وسلم: «وأنا الحاشر الذي يحشر الناس على قدمي» ، تقديره: يحشرون سائرين على آثار قدمي. وقرأ الجمهور على أثري بفتحتين. وقرأه رويس عن يعقوب- بكسر الهمزة وسكون الثاء-. واستعمل تركيب هم أولاء مجردا عن حرف التنبيه في أول اسم الإشارة خلافا لقوله في سورة النساء [109] : ها أنتم هؤلاء جادلتم
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٢٧٨) ↗