سورة طه · الآية ٧٢
﴿قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَىٰ مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا ۖ فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ ۖ إِنَّمَا تَقْضِي هَٰذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
{ ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى * قال أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك يموسى * فلنأتينك بسحر مثله فاجعل بيننا وبينك موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى * قال موعدكم يوم الزينة وأن يحشر الناس ضحى * فتولى فرعون فجمع كيده ثم أتى * قال لهم موسى ويلكم لا تفتروا على الله كذبا فيسحتكم بعذاب وقد خاب من افترى }. يخبر تعالى، أنه أرى فرعون من الآيات والعبر والقواطع، جميع أنواعها العيانية، والأفقية والنفسية، فما استقام ولا ارعوى، وإنما كذب وتولى، كذب الخبر، وتولى عن الأمر والنهي، وجعل الحق باطلا، والباطل حقا، وجادل بالباطل ليضل الناس، فقال: { أجئتنا لتخرجنا من أرضنا بسحرك } زعم أن هذه الآيات التي أراه إياها موسى، سحر وتمويه، المقصود منها إخراجهم من أرضهم، والاستيلاء عليها، ليكون كلامه مؤثرا في قلوب قومه، فإن الطباع تميل إلى أوطانها، ويصعب عليها الخروج منها ومفارقتها. فأخبرهم أن موسى هذا قصده، ليبغضوه، ويسعوا في محاربته، فلنأتينك بسحر مثل سحرك فأمهلنا، واجعل لنا { موعدا لا نخلفه نحن ولا أنت مكانا سوى } أي: مستو علمنا وعلمك به، أو مكانا مستويا معتدلا ليتمكن من رؤية ما فيه. فقال موسى: { موعدكم يوم الزينة } وهو عيدهم، الذي يتفرغون فيه ويقطعون شواغلهم، { وأن يحشر الناس ضحى } أي: يجمعون كلهم في وقت الضحى، وإنما سأل موسى ذلك، لأن يوم الزينة ووقت الضحى فيه يحصل فيه من كثرة الاجتماع، ورؤية الأشياء على حقائقها، ما لا يحصل في غيره، { فتولى فرعون فجمع كيده } أي: جميع ما يقدر عليه، مما يكيد به موسى، فأرسل في مدائنه من يحشر السحرة الماهرين في سحرهم، وكان السحر إذ ذاك متوفرا، وعلمه علما مرغوبا فيه، فجمع خلقا كثيرا من السحرة، ثم أتى كل منهما للموعد، واجتمع الناس للموعد. فكان الجمع حافلا، حضره الرجال والنساء، والملأ، والأشراف، والعوام، والصغار، والكبار، وحضوا الناس على الاجتماع، وقالوا للناس: هل أنتم …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
يقول تعالى مخبرا عن كفر فرعون وعناده وبغيه ومكابرته الحق بالباطل، حين رأى ما رأى من المعجزة الباهرة والآية العظيمة، ورأى الذين قد استنصر بهم قد آمنوا بحضرة الناس كلهم وغلب كل الغلب -شرع في المكابرة والبهت، وعدل إلى استعمال جاهه وسلطانه في (1) السحرة، فتهددهم وأوعدهم (2) وقال {آمنتم له} أي: صدقتموه {قبل أن آذن لكم} أي: وما أمرتكم بذلك، وافتتم (3) علي في ذلك. وقال قولا يعلم هو والسحرة والخلق كلهم أنه بهت وكذب: {إنه لكبيركم الذي علمكم السحر} أي أنتم إنما أخذتم السحر عن موسى، واتفقتم أنتم وإياه علي وعلى رعيتي، لتظهروه، كما قال في الآية الأخرى: {إن هذا لمكر مكرتموه في المدينة لتخرجوا منها أهلها فسوف تعلمون} [الأعراف 123] . ثم أخذ يتهددهم فقال: {فلأقطعن أيديكم وأرجلكم من خلاف ولأصلبنكم في جذوع النخل} أي: لأجعلنكم مثلة [ولأقتلنكم] (4) ولأشهرنكم. قال ابن عباس: فكان أول من فعل ذلك. رواه ابن أبي حاتم. وقوله: {ولتعلمن أينا أشد عذابا وأبقى} أي أنتم تقولون: إني وقومي على ضلالة، وأنتم مع موسى وقومه على الهدى. فسوف تعلمون من يكون له العذاب ويبقى فيه. فلما صال عليهم بذلك وتوعدهم، هانت عليهم أنفسهم في الله عز وجل، و {قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات} أي: لن نختارك على ما حصل لنا من الهدى واليقين. {والذي فطرنا} يحتمل أن يكون قسما، ويحتمل أن يكون معطوفا على البينات. يعنون: لا (5) نختارك على فاطرنا وخالقنا الذي أنشأنا من العدم، المبتدئ خلقنا من الطين، فهو المستحق للعبادة والخضوع لا أنت. {فاقض ما أنت قاض} أي: فافعل ما شئت وما وصلت إليه يدك، {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} أي: إنما لك تسلط في هذه الدار، وهي دار الزوال ونحن قد رغبنا في دار القرار. (6)
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣٠٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
توعدهم به: {لن نؤثرك} [طه: 72] فنتبعك ونكذب من أجلك موسى {على ما جاءنا من البينات} [طه: 72] يعني من الحجج والأدلة على حقيقة ما دعاهم إليه موسى {والذي فطرنا} [طه: 72] يقول: قالوا: لن نؤثرك على الذي جاءنا من البينات، وعلى الذي فطرنا. ويعني بقوله: {فطرنا} [طه: 72] خلقنا، فالذي من قوله: {والذي فطرنا} [طه: 72] خفض على قوله: {ما جاءنا} [المائدة: 19] وقد يحتمل أن يكون قوله: {والذي فطرنا} [طه: 72] خفضا على القسم، فيكون معنى الكلام: لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والله. وقوله: {فاقض ما أنت قاض} [طه: 72] يقول: فاصنع ما أنت صانع، واعمل بنا ما بدا لك {إنما تقضي هذه الحياة الدنيا} [طه: 72] يقول: إنما تقدر أن
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/١١٦) ↗التحرير والتنوير
73] قالوا لن نؤثرك على ما جاءنا من البينات والذي فطرنا فاقض ما أنت قاض إنما تقضي هذه الحياة الدنيا (72) إنا آمنا بربنا ليغفر لنا خطايانا وما أكرهتنا عليه من السحر والله خير وأبقى (73) أظهروا استخفافهم بوعيده وبتعذيبه، إذ أصبحوا أهل إيمان ويقين، وكذلك شأن المؤمنين بالرسل إذا أشرقت عليهم أنوار الرسالة فسرعان ما يكون انقلابهم عن جهالة الكفر وقساوته إلى حكمة الإيمان وثباته. ولنا في عمر بن الخطاب ونحوه ممن آمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم مثل صدق. والإيثار: التفضيل. وتقدم في قوله تعالى: لقد آثرك الله علينا في سورة يوسف [91] . والتفضيل بين فرعون وما جاءهم من البينات مقتض حذف مضاف يناسب المقابلة بالبينات، أي لن نؤثر طاعتك أو دينك على ما جاءنا من البينات الدالة على وجوب طاعة الله تعالى، وبذلك يلتئم عطف والذي فطرنا، أي لا نؤثرك في الربوبية على الذي فطرنا. وجيء بالموصول للإيماء إلى التعليل، لأن الفاطر هو المستحق بالإيثار. وأخر الذي فطرنا عن ما جاءنا من البينات لأن البينات دليل على أن الذي خلقهم أراد منهم الإيمان بموسى ونبذ عبادة غير الله، ولأن فيه تعريضا بدعوة فرعون للإيمان بالله. وصيغة الأمر في قوله فاقض ما أنت قاض مستعملة في التسوية، لأن ما أنت قاض ما صدقه ما توعدهم به من تقطيع
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٢٦٦) ↗