سورة طه · الآية ٤٥
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما امتن الله على موسى بما امتن به، من النعم الدينية والدنيوية قال له: { اذهب أنت وأخوك } هارون { بآياتي } أي: الآيات التي مني، الدالة على الحق وحسنه، وقبح الباطل، كاليد، والعصا ونحوها، في تسع آيات إلى فرعون وملئه، { ولا تنيا في ذكري } أي: لا تفترا، ولا تكسلا عن مداومة ذكري بل استمرا عليه، والزماه كما وعدتما بذلك كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا [طه: 33-34] فإن ذكر الله فيه معونة على جميع الأمور، يسهلها، ويخفف حملها. { اذهبآ إلى فرعون إنه طغى } أي: جاوز الحد، في كفره وطغيانه، وظلمه وعدوانه. { فقولا له قولا لينا } أي: سهلا لطيفا، برفق ولين وأدب في اللفظ من دون فحش ولا صلف، ولا غلظة في المقال، أو فظاظة في الأفعال، { لعله } بسبب القول اللين { يتذكر } ما ينفعه فيأتيه، { أو يخشى } ما يضره فيتركه، فإن القول اللين داع لذلك، والقول الغليظ منفر عن صاحبه، وقد فسر القول اللين في قوله: فقل هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى [النازعات: 18-19] فإن في هذا الكلام، من لطف القول وسهولته، وعدم بشاعته، ما لا يخفى على المتأمل، فإنه أتى ب " هل " الدالة على العرض والمشاورة، التي لا يشمئز منها أحد، ودعاه إلى التزكي والتطهر من الأدناس، التي أصلها التطهر من الشرك، الذي يقبله كل عقل سليم، ولم يقل " أزكيك " بل قال " تزكى " أنت بنفسك، ثم دعاه إلى سبيل ربه، الذي رباه، وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة، التي ينبغي مقابلتها بشكرها، وذكرها فقال: وأهديك إلى ربك فتخشى [النازعات: 19] فلما لم يقبل هذا الكلام اللين الذي يأخذ حسنه بالقلوب، علم أنه لا ينجع فيه تذكير، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر. { قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ } أي: يبادرنا بالعقوبة والإيقاع بنا قبل أن تبلغه رسالاتك، ونقيم عليه الحجة { أو أن يطغى } أي: يتمرد عن الحق، ويطغى بملكه وسلطانه وجنده وأعوانه، { قال لا تخافآ } أن يفرط عليكما { إنني …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
إليه: {إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى} يعنيان أن يبدر إليهما بعقوبة، أو يعتدي عليهما فيعاقبهما وهما لا يستحقان منه ذلك. قال عبد الرحمن بن زيد: {أن يفرط} يعجل. وقال مجاهد: يبسط علينا. وقال الضحاك، عن ابن عباس: {أو أن يطغى} : يعتدي. {قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى} أي: لا تخافا منه، فإنني معكما أسمع كلامكما وكلامه، وأرى مكانكما ومكانه، لا يخفى علي من أمركم شيء، واعلما أن ناصيته بيدي، فلا يتكلم ولا يتنفس ولا يبطش إلا بإذني وبعد أمري، وأنا معكما بحفظي ونصري وتأييدي. وقال ابن أبي حاتم: حدثنا أبي، حدثنا علي بن محمد الطنافسي، حدثنا أبو معاوية، عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيدة، عن عبد الله قال: لما بعث الله عز وجل موسى إلى فرعون قال: رب، أي شيء أقول؟ قال قل: هيا شراهيا. قال الأعمش: فسر ذلك: الحي قبل كل شيء، والحي بعد كل شيء. إسناد جيد، وشيء غريب. {فأتياه فقولا إنا رسولا ربك} ، قد تقدم في حديث "الفتون" عن ابن عباس أنه قال: مكثا (1) على بابه حينا لا يؤذن لهما، ثم أذن لهما بعد حجاب شديد. وذكر محمد بن إسحاق بن يسار: أن موسى وأخاه هارون خرجا، فوقفا بباب فرعون يلتمسان الإذن عليه وهما يقولان: إنا رسل (2) رب العالمين، فآذنوا بنا هذا الرجل، فمكثا فيما بلغني سنتين يغدوان ويروحان، لا يعلم بهما ولا يجترئ أحد على أن يخبره بشأنهما، حتى دخل عليه بطال له يلاعبه ويضحكه، فقال له: أيها الملك، إن على بابك رجلا يقول قولا عجيبا، يزعم أن له إلها (3) غيرك أرسله إليك. قال: ببابي؟ قال: نعم. قال: أدخلوه، فدخل ومعه أخوه هارون وفي يده عصاه، فلما وقف على فرعون قال: إني رسول رب العالمين. فعرفه فرعون. وذكر السدي أنه لما قدم بلاد مصر، ضاف أمه وأخاه وهما لا يعرفانه، وكان طعامهما (4) ليلتئذ الطعثلل (5) وهو اللفت، ثم عرفاه وسلما عليه، فقال له موسى: يا هارون، إن ربي قد أمرني أن آتي هذا الرجل فرعون فأدعوه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٧٤) ↗التحرير والتنوير
قالا ربنا إننا نخاف أن يفرط علينا أو أن يطغى قال لا تخافا إنني معكما أسمع وأرى [طه: 45، 46] . والذهاب المأمور به ذهاب خاص، قد فهمه موسى من مقدمات الإخبار باختياره، وإظهار المعجزات له، أو صرح له به وطوى ذكره هنا على طريقة الإيجاز، على أن التعليل الواقع بعده ينبىء به. فجملة إنه طغى تعليل للأمر بالذهاب إليه، وإنما صلحت للتعليل لأن المراد ذهاب خاص، وهو إبلاغ ما أمر الله بإبلاغه إليه من تغييره عما هو عليه من عبادة غير الله. ولما علم موسى ذلك لم يبادر بالمراجعة في الخوف من ظلم فرعون، بل تلقى الأمر وسأل الله الإعانة عليه، بما يؤول إلى رباطة جأشه وخلق الأسباب التي تعينه على تبليغه، وإعطائه فصاحة القول للإسراع بالإقناع بالحجة. وحكي جواب موسى عن كلام الرب بفعل القول غير معطوف جريا على طريقة المحاورات. ورتب موسى الأشياء المسئولة في كلامه على حسب ترتيبها في الواقع على الأصل في ترتيب الكلام ما لم يكن مقتض للعدل عنه. فالشرح، حقيقته: تقطيع ظاهر شيء لين. واستعير هنا لإزالة ما في نفس الإنسان من خواطر تكدره أو توجب تردده في الإقدام على عمل ما تشبيها بتشريح اللحم بجامع التوسعة. والقلب: يراد به في كلامهم والعقل. فالمعنى: أزل عن فكري الخوف ونحوه، مما يعترض الإنسان من عقبات تحول بينه وبين الانتفاع بإقدامه وعزامته، وذلك من العسر، فسأل تيسير أمره، أي إزالة الموانع الحافة بما كلف به.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٢١٠) ↗