سورة طه · الآية ٤٢
﴿اذْهَبْ أَنْتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلَا تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما امتن الله على موسى بما امتن به، من النعم الدينية والدنيوية قال له: { اذهب أنت وأخوك } هارون { بآياتي } أي: الآيات التي مني، الدالة على الحق وحسنه، وقبح الباطل، كاليد، والعصا ونحوها، في تسع آيات إلى فرعون وملئه، { ولا تنيا في ذكري } أي: لا تفترا، ولا تكسلا عن مداومة ذكري بل استمرا عليه، والزماه كما وعدتما بذلك كي نسبحك كثيرا * ونذكرك كثيرا [طه: 33-34] فإن ذكر الله فيه معونة على جميع الأمور، يسهلها، ويخفف حملها. { اذهبآ إلى فرعون إنه طغى } أي: جاوز الحد، في كفره وطغيانه، وظلمه وعدوانه. { فقولا له قولا لينا } أي: سهلا لطيفا، برفق ولين وأدب في اللفظ من دون فحش ولا صلف، ولا غلظة في المقال، أو فظاظة في الأفعال، { لعله } بسبب القول اللين { يتذكر } ما ينفعه فيأتيه، { أو يخشى } ما يضره فيتركه، فإن القول اللين داع لذلك، والقول الغليظ منفر عن صاحبه، وقد فسر القول اللين في قوله: فقل هل لك إلى أن تزكى * وأهديك إلى ربك فتخشى [النازعات: 18-19] فإن في هذا الكلام، من لطف القول وسهولته، وعدم بشاعته، ما لا يخفى على المتأمل، فإنه أتى ب " هل " الدالة على العرض والمشاورة، التي لا يشمئز منها أحد، ودعاه إلى التزكي والتطهر من الأدناس، التي أصلها التطهر من الشرك، الذي يقبله كل عقل سليم، ولم يقل " أزكيك " بل قال " تزكى " أنت بنفسك، ثم دعاه إلى سبيل ربه، الذي رباه، وأنعم عليه بالنعم الظاهرة والباطنة، التي ينبغي مقابلتها بشكرها، وذكرها فقال: وأهديك إلى ربك فتخشى [النازعات: 19] فلما لم يقبل هذا الكلام اللين الذي يأخذ حسنه بالقلوب، علم أنه لا ينجع فيه تذكير، فأخذه الله أخذ عزيز مقتدر. { قالا ربنآ إننا نخاف أن يفرط علينآ } أي: يبادرنا بالعقوبة والإيقاع بنا قبل أن تبلغه رسالاتك، ونقيم عليه الحجة { أو أن يطغى } أي: يتمرد عن الحق، ويطغى بملكه وسلطانه وجنده وأعوانه، { قال لا تخافآ } أن يفرط عليكما { إنني …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
الرسالة والنبوة. وقوله: {واصطنعتك لنفسي} أي: اصطفيتك واجتبيتك رسولا لنفسي، أي: كما أريد وأشاء. وقال البخاري عند تفسيرها: حدثنا الصلت بن محمد، حدثنا مهدي بن ميمون، حدثنا محمد ابن سيرين عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "التقى آدم وموسى، فقال موسى: أنت الذي أشقيت الناس وأخرجتهم من الجنة؟ فقال آدم: وأنت الذي اصطفاك الله برسالته واصطفاك لنفسه، وأنزل عليك التوراة؟ قال: نعم. قال: فوجدته قد كتب علي قبل أن يخلقني؟ قال: نعم. فحج آدم موسى" أخرجاه (1) . {اذهب أنت وأخوك بآياتي} أي: بحججي وبراهيني ومعجزاتي، {ولا تنيا في ذكري} قال علي ابن أبي طلحة عن ابن عباس: لا تبطئا. وقال مجاهد، عن ابن عباس: لا تضعفا. والمراد أنهما لا يفتران في ذكر الله، بل يذكران الله في حال مواجهة فرعون، ليكون ذكر الله عونا لهما عليه، وقوة لهما وسلطانا كاسرا له، كما جاء في الحديث: "إن عبدي كل عبدي للذي (2) يذكرني وهو مناجز قرنه". (3) {اذهبا إلى فرعون إنه طغى} أي: تمرد وعتا وتجهرم على الله وعصاه، {فقولا له قولا لينا لعله يتذكر أو يخشى} هذه الآية فيها عبرة عظيمة، وهو أن فرعون في غاية العتو والاستكبار، وموسى صفوة الله من خلقه إذ ذاك، ومع هذا أمر ألا يخاطب فرعون إلا بالملاطفة واللين، كما قال يزيد الرقاشي عند قوله: {فقولا له قولا لينا} : يا من يتحبب إلى من يعاديه فكيف بمن يتولاه ويناديه؟ وقال وهب بن منبه: قولا له: إني إلى العفو والمغفرة أقرب مني إلى الغضب والعقوبة. وعن عكرمة في قوله: {فقولا له قولا لينا} قال: لا إله إلا الله، وقال (4) عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري: {فقولا له قولا لينا} أعذرا إليه، قولا له: إن لك ربا ولك معادا، وإن بين يديك جنة ونارا. وقال بقية، عن علي بن هارون، عن رجل، عن الضحاك بن مزاحم، عن النزال بن سبرة، عن علي في قوله: {فقولا له قولا لينا} قال: كنه. وكذا روي عن سفيان الثوري: كنه بأبي …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
ونهيي. {اذهب أنت وأخوك} [طه: 42] هارون {بآياتي} [البقرة: 41] يقول:
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٧٢) ↗التحرير والتنوير
الله تعالى عباده، وإدخال الأمة في حضرة الإيمان والتقوى، وفي ذلك إكثار من ذكر الله بإبلاغ أمره ونهيه. ألا ترى إلى قوله تعالى بعد هذه الآيات اذهب أنت وأخوك بآياتي ولا تنيا في ذكري [طه: 42] ، أي لا تضعفا في تبليغ الرسالة، فلا جرم كان في تحصيل ما دعا به إكثار من تسبيحهما وذكرهما الله. وأيضا في التعاون على آداء الرسالة تقليل من الاشتغال بضرورات الحياة، إذ يمكن أن يقتسما العمل الضروري لحياتهما فيقل زمن اشتغالهما بالضروريات وتتوفر الأوقات لأداء الرسالة. وتلك فائدة عظيمة لكليهما في التبليغ. والذي ألجأ موسى إلى سؤال ذلك علمه بشدة فرعون وطغيانه ومنعه الأمة من مفارقة ضلالهم، فعلم أن في دعوته فتنة للداعي فسأل الإعانة على الخلاص من تلك الفتنة ليتوفرا للتسبيح والذكر كثيرا. وجملة إنك كنت بنا بصيرا تعليل لسؤاله شرح صدره وما بعده، أي لأنك تعلم حالي وحال أخي، وإني ما دعوتك بما دعوت إلا لأننا محتاجان لذلك، وفيه تفويض إلى الله تعالى بأنه أعلم بما فيه صلاحهم، وأنه ما سأل سؤاله إلا بحسب ما بلغ إليه علمه. وقوله قال قد أوتيت سؤلك يا موسى وعد له بالإجابة، وتصديق له فيما توسمه من المصالح فيما سأله لنفسه ولأخيه. والسؤل بمعنى المسئول. وهو وزن فعل بمعنى مفعول كالخبز بمعنى المخبوز، والأكل بمعنى المأكول. وهذا يدل على أن العقدة زالت عن لسانه، ولذلك لم يحك فيما بعد أنه أقام هارون بمجادلة فرعون. ووقع في التوراة في الإصحاح السابع من سفر الخروج: «فقال الرب لموسى أنت تتكلم بكل ما آمرك به وهارون أخوك يكلم فرعون
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٢١٤) ↗