سورة طه · الآية ٤٠
﴿إِذْ تَمْشِي أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَنْ يَكْفُلُهُ ۖ فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُهَا وَلَا تَحْزَنَ ۚ وَقَتَلْتَ نَفْسًا فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ الْغَمِّ وَفَتَنَّاكَ فُتُونًا ۚ فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِي أَهْلِ مَدْيَنَ ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يَا مُوسَىٰ﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
لما ذكر منته على عبده ورسوله، موسى بن عمران، في الدين، والوحي، والرسالة، وإجابة سؤاله، ذكر نعمته عليه، وقت التربية، والتنقلات في أطواره، فقال: { ولقد مننا عليك مرة أخرى } حيث ألهمنا أمك أن تقذفك في التابوت وقت الرضاع، خوفا من فرعون، لأنه أمر بذبح أبناء بني إسرائيل، فأخفته أمه، وخافت عليه خوفا شديدا فقذفته في التابوت، ثم قذفته في اليم، أي: شط نيل مصر، فأمر الله اليم، أن يلقيه في الساحل، وقيض أن يأخذه، أعدى الأعداء لله ولموسى، ويتربى في أولاده، ويكون قرة عين لمن رآه، ولهذا قال: { له وألقيت عليك محبة مني } فكل من رآه أحبه { ولتصنع على عيني } ولتتربى على نظري وفي حفظي وكلاءتي، وأي نظر وكفالة، أجل وأكمل، من ولاية البر الرحيم، القادر على إيصال مصالح عبده، ودفع المضار عنه؟! فلا ينتقل من حالة إلى حالة، إلا والله تعالى هو الذي دبر ذلك لمصلحة موسى، ومن حسن تدبيره، أن موسى لما وقع في يد عدوه، قلقت أمه قلقا شديدا، وأصبح فؤادها فارغا، وكادت تخبر به، لولا أن الله ثبتها وربط على قلبها، ففي هذه الحالة، حرم الله على موسى المراضع، فلا يقبل ثدي امرأة قط، ليكون مآله إلى أمه فترضعه، ويكون عندها، مطمئنة ساكنة، قريرة العين، فجعلوا يعرضون عليه المراضع، فلا يقبل ثديا، فجاءت أخت موسى، فقالت لهم: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون [القصص: 12]. { فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا } وهو القبطي، لما دخل المدينة وقت غفلة من أهلها، وجد رجلين يقتتلان، واحد من شيعة موسى، والآخر من عدوه قبطي فاستغاثه الذي من شيعته على الذي من عدوه فوكزه موسى فقضى عليه [القصص: 15] فدعا الله وسأله المغفرة، فغفر له، ثم فر هاربا لما سمع أن الملأ طلبوه، يريدون قتله. فنجاه الله من الغم من عقوبة الذنب، ومن القتل، { وفتناك فتونا } أي: اختبرناك، وبلوناك، فوجدناك مستقيما في أحوالك أو نقلناك في أحوالك، …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
… حذرا من وجود موسى، فحكم الله -وله السلطان العظيم، والقدرة التامة-ألا يربى إلا على فراش فرعون، ويغذى بطعامه وشرابه، مع محبته وزوجته له؛ ولهذا قال: {يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني} [أي: عند عدوك، جعلته يحبك. قال سلمة بن كهيل: {وألقيت عليك محبة مني} ] (3) قال: حببتك إلى عبادي. {ولتصنع على عيني} قال أبو عمران الجوني: تربى بعين الله. وقال قتادة: تغذى على عيني. وقال معمر بن المثنى: {ولتصنع على عيني} بحيث أرى. وقال عبد الرحمن بن زيد بن أسلم: يعني أجعله في بيت الملك ينعم ويترف، غذاؤه عندهم غذاء الملك، فتلك الصنعة. وقوله: {إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها} وذلك أنه لما استقر عند آل فرعون، عرضوا عليه المراضع، فأباها، قال الله عز وجل: {وحرمنا عليه المراضع من قبل} فجات أخته وقالت (4) {هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون} [القصص: 12] . تعني (5) هل أدلكم على من ترضعه (6) لكم بالأجرة؟ فذهبت به وهم معها إلى أمه، فعرضت عليه ثديها، فقبله، ففرحوا بذلك فرحا شديدا، واستأجروها على إرضاعه فنالها بسببه سعادة ورفعة وراحة في الدنيا وفي الآخرة (7) أغنم وأجزل؛ ولهذا جاء في الحديث: "مثل الصانع الذي يحتسب (8) في صنعته الخير، كمثل أم موسى، ترضع ولدها وتأخذ أجرها" (9) . وقال تعالى هاهنا: {فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن} أي: عليك، {وقتلت نفسا} يعني: القبطي، {فنجيناك من الغم} وهو ما حصل له بسبب عزم آل فرعون على قتله (10) ففر منهم هاربا، حتى ورد ماء مدين، وقال له ذلك الرجل الصالح: {لا تخف نجوت من القوم الظالمين} [القصص: 25] . وقوله: {وفتناك فتونا} قال الإمام أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، رحمه الله، في كتاب التفسير من سننه، قوله: {وفتناك فتونا} :
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٢٨٤) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عيني} [طه: 39] فقال بعضهم: معناه: ولتغذى وتربى على محبتي وإرادتي
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/٥٩) ↗التحرير والتنوير
» . [37- 41] ولقد مننا عليك مرة أخرى (37) إذ أوحينا إلى أمك ما يوحى (38) أن اقذفيه في التابوت فاقذفيه في اليم فليلقه اليم بالساحل يأخذه عدو لي وعدو له وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني (39) إذ تمشي أختك فتقول هل أدلكم على من يكفله فرجعناك إلى أمك كي تقر عينها ولا تحزن وقتلت نفسا فنجيناك من الغم وفتناك فتونا فلبثت سنين في أهل مدين ثم جئت على قدر يا موسى (40) واصطنعتك لنفسي (41) جملة ولقد مننا عليك معطوفة على جملة قد أوتيت سؤلك [طه: 36] لأن جملة قد أوتيت سؤلك تتضمن منة عليه، فعطف عليها تذكير بمنة عليه أخرى في وقت ازدياده ليعلم أنه لما كان بمحل العناية من ربه من أول أوقات وجوده فابتدأه بعنايته قبل سؤاله فعنايته به بعد سؤاله أحرى، ولأن تلك العناية الأولى تمهيد لما أراد الله به من الاصطفاء والرسالة، فالكرم يقتضي أن الابتداء بالإحسان يستدعي الاستمرار عليه. فهذا طمأنة لفؤاده وشرح لصدره ليعلم أنه سيكون مؤيدا في سائر أحواله المستقبلة، كقوله تعالى لمحمد صلى الله عليه وسلم: ولسوف يعطيك ربك فترضى ألم يجدك يتيما فآوى ووجدك ضالا فهدى ووجدك عائلا فأغنى [الضحى: 5- 8] . وتأكيد الخبر بلام القسم و (قد) لتحقيق الخبر، لأن موسى عليه السلام قد علم ذلك، فتحقيق الخبر له تحقيق للازمه المراد منه، وهو أن عناية الله به دائمة لا تنقطع عنه زيادة في تطمين خاطره بعد قوله تعالى: قد أوتيت سؤلك [طه: 36] . والمرة: فعلة من المرور، غلبت على معنى الفعلة الواحدة من عمل معين يعرف بالإضافة أو بدلالة المقام. وقد تقدمت عند قوله تعالى: وهم بدؤكم أول مرة في سورة براءة [13] . وانتصاب مرة هنا على المفعولية المطلقة لفعل مننا، أي مرة من المن. ووصفها بأخرى هنا باعتبار أنها غير هذه المنة.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٢١٥) ↗