سورة طه · الآية ١١٧
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: لما أكمل خلق آدم بيده، وعلمه الأسماء، وفضله، وكرمه، أمر الملائكة بالسجود له، إكراما وتعظيما وإجلالا، فبادروا بالسجود ممتثلين، وكان بينهم إبليس، فاستكبر عن أمر ربه، وامتنع من السجود لآدم وقال: أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين [الأعراف: 12] فتبينت حينئذ عداوته البليغة لآدم وزوجه، لما كان عدوا لله، وظهر من حسده، ما كان سبب العداوة، فحذر الله آدم وزوجه منه، وقال { فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى } إذا أخرجت منها، فإن لك فيها الرزق الهني، والراحة التامة. { إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى * وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى } أي: تصيبك الشمس بحرها، فضمن له استمرار الطعام والشراب، والكسوة، والماء، وعدم التعب والنصب، ولكنه نهاه عن أكل شجرة معينة فقال: ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظلمين [البقرة: 35] فلم يزل الشيطان يسول لهما، ويزين أكل الشجرة، ويقول: { هل أدلك على شجرة الخلد } أي: الشجرة التي من أكل منها خلد في الجنة. { وملك لا يبلى } أي: لا ينقطع إذا أكلت منها، فأتاه بصورة ناصح، وتلطف له في الكلام، فاغتر به آدم، وأكلا من الشجرة فسقط في أيديهما، وسقطت كسوتهما، واتضحت معصيتهما، وبدا لكل منهما سوأة الآخر، بعد أن كانا مستورين، وجعلا يخصفان على أنفسهما من ورق أشجار الجنة ليستترا بذلك، وأصابهما من الخجل ما الله به عليم. { وعصى ءادم ربه فغوى } فبادرا إلى التوبة والإنابة، وقالا: ربنا ظلمنآ أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين [الأعراف: 23] فاجتباه ربه، واختاره، ويسر له التوبة { فتاب عليه وهدى } فكان بعد التوبة أحسن منه قبلها، ورجع كيد العدو عليه، وبطل مكره، فتمت النعمة عليه وعلى ذريته، ووجب عليهم القيام بها والاعتراف، وأن يكونوا على حذر من هذا العدو المرابط الملازم لهم، ليلا ونهارا يابني ءادم لا يفتننكم الشيطان كمآ أخرج أبويكم من الجنة ينزع عنهما لباسهما ليريهما سوءاتهمآ إنه …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
قال ابن أبي حاتم: حدثنا أحمد بن سنان، حدثنا أسباط بن محمد، حدثنا الأعمش، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس قال: إنما سمي الإنسان لأنه عهد إليه فنسي. وكذا رواه علي بن أبي طلحة، عنه. وقال مجاهد والحسن: ترك. وقوله: {وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم} يذكر تعالى تشريف آدم وتكريمه، وما فضله به على كثير ممن خلق تفضيلا. وقد تقدم الكلام على هذه القصة في سورة "البقرة" وفي "الأعراف" وفي "الحجر" و"الكهف" (1) وسيأتي في آخر سورة "ص" (2) [إن شاء الله تعالى] . (3) يذكر فيها تعالى خلق آدم وأمره الملائكة بالسجود له تشريفا وتكريما، ويبين (4) عداوة إبليس لبني آدم ولأبيهم قديما؛ ولهذا قال تعالى: {فسجدوا إلا إبليس أبى} أي: امتنع واستكبر. {فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك} يعني: حواء، عليهما السلام {فلا يخرجنكما من الجنة فتشقى} أي: إياك أن يسعى (5) في إخراجك منها، فتتعب وتعنى وتشقى في طلب رزقك، فإنك هاهنا في عيش رغيد هنيء، لا (6) كلفة ولا مشقة. {إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى} إنما قرن بين الجوع والعري؛ لأن الجوع ذل الباطن، والعري ذل الظاهر. {وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى} وهذان أيضا متقابلان، فالظمأ: حر الباطن، وهو العطش. والضحى: حر الظاهر. وقوله: {فوسوس إليه الشيطان قال يا آدم هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى} قد تقدم أنه (7) {دلاهما بغرور} [الأعراف: 22] ؛ {وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين} [الأعراف: 21] . وقد
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣٢٠) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
يكونوا في ذلك على منهاجه، إلا من عصمه الله منهم: واذكر يا محمد {إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا PageEndV16P186 إلا إبليس أبى} [البقرة: 34] أن يسجد له. {فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك} [طه: 117] ولذلك من شنآنه لم يسجد لك، وخالف أمري في ذلك وعصاني، فلا تطيعاه فيما يأمركما به، فيخرجكما بمعصيتكما ربكما، وطاعتكما له {من الجنة فتشقى} [طه: 117] يقول: فيكون عيشك من كد يدك، فذلك شقاؤه الذي حذره به
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/١٨٥) ↗التحرير والتنوير
وعليه فقوله من قبل حذف ما أضيف إليه (قبل) . وتقديره: من قبل إرسال موسى أو من قبل ما ذكر، فإن بناء (قبل) على الضم علامة حذف المضاف إليه ونية معناه. والذي ذكر: إما عهد موسى الذي في قوله تعالى: وأنا اخترتك فاستمع لما يوحى [طه: 13] وقوله فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى [طه: 16] وإما عهد الله لبني إسرائيل الذي ذكرهم به موسى- عليه السلام- لما رجع إليهم غضبان أسفا، وهو ما في قوله أفطال عليكم العهد [طه: 86] الآية. والمراد بالعهد إلى آدم: العهد إليه في الجنة التي أنسي فيها. والنسيان: أطلق هنا على إهمال العمل بالعهد عمدا، كقوله في قصة السامري فنسي، فيكون عصيانا، وهو الذي يقتضيه قوله تعالى: وقال ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين الآية، وقد مضت في سورة الأعراف [20، 21] . وهذا العهد هو المبين في الآية بقوله فقلنا يا آدم إن هذا عدو لك ولزوجك [طه: 117] الآية. والعزم: الجزم بالفعل وعدم التردد فيه، وهو مغالبة ما يدعو إليه الخاطر من الانكفاف عنه لعسر عمله أو إيثار ضده عليه. وتقدم قوله تعالى: وإن عزموا الطلاق في سورة البقرة [227] . والمراد هنا: العزم على امتثال الأمر وإلغاء ما يحسن إليه عدم الامتثال، قال تعالى: فإذا عزمت فتوكل على الله [آل عمران: 159] ، وقال فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل [الأحقاف: 35] ، وهم نوح، وإبراهيم، وإسماعيل، ويعقوب، ويوسف، وأيوب، وموسى، وداوود، وعيسى عليهم السلام. واستعمل نفي وجدان العزم عند آدم في معنى عدم وجود العزم من صفته فيما عهد إليه تمثيلا لحال طلب حصوله عنده بحال الباحث على عزمه فلم يجده عنده بعد البحث.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٣١٩) ↗