سورة طه · الآية ١٠٩
﴿يَوْمَئِذٍ لَا تَنْفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَٰنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن أهوال القيامة، وما فيها من الزلازل والقلاقل، فقال: { ويسألونك عن الجبال } أي: ماذا يصنع بها يوم القيامة، وهل تبقى بحالها أم لا؟ { فقل ينسفها ربي نسفا } أي: يزيلها ويقلعها من أماكنها فتكون كالعهن وكالرمل، ثم يدكها فيجعلها هباء منبثا، فتضمحل وتتلاشى، ويسويها بالأرض، ويجعل الأرض قاعا صفصفا، مستويا لا يرى فيه أيها الناظر عوجا، هذا من تمام استوائها { ولا أمتا } أي: أودية وأماكن منخفضة، أو مرتفعة فتبرز الأرض، وتتسع للخلائق، ويمدها الله مد الأديم، فيكونون في موقف واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، ولهذا قال: { يومئذ يتبعون الداعي } وذلك حين يبعثون من قبورهم ويقومون منها، يدعوهم الداعي إلى الحضور والاجتماع للموقف، فيتبعونه مهطعين إليه، لا يلتفتون عنه، ولا يعرجون يمنة ولا يسرة، وقوله: { لا عوج له } أي: لا عوج لدعوة الداعي، بل تكون دعوته حقا وصدقا، لجميع الخلق، يسمعهم جميعهم، ويصيح بهم أجمعين، فيحضرون لموقف القيامة، خاشعة أصواتهم للرحمن، { فلا تسمع إلا همسا } أي: إلا وطء الأقدام، أو المخافتة سرا بتحريك الشفتين فقط، يملكهم الخشوع والسكون والإنصات، انتظارا لحكم الرحمن فيهم، وتعنو وجوههم، أي: تذل وتخضع، فترى في ذلك الموقف العظيم، الأغنياء والفقراء، والرجال والنساء، والأحرار والأرقاء، والملوك والسوقة، ساكتين منصتين، خاشعة أبصارهم، خاضعة رقابهم، جاثين على ركبهم، عانية وجوههم، لا يدرون ماذا ينفصل كل منهم به، ولا ماذا يفعل به، قد اشتغل كل بنفسه وشأنه، عن أبيه وأخيه، وصديقه وحبيبه لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه [عبس: 37] فحينئذ يحكم فيهم الحاكم العدل الديان، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بالحرمان. والأمل بالرب الكريم، الرحمن الرحيم، أن يرى الخلائق منه، من الفضل والإحسان، والعفو والصفح والغفران، ما لا تعبر عنه الألسنة، ولا تتصوره الأفكار، ويتطلع لرحمته إذ ذاك جميع الخلق لما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وعلى سائر الأنبياء. وفي الحديث [أيضا] (1) يقول تعالى: أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال حبة من إيمان، فيخرجون خلقا كثيرا، ثم يقول: أخرجوا من النار من كان في قلبه نصف مثقال من إيمان، أخرجوا من النار من كان في قلبه ما يزن ذرة، من كان في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان" الحديث. (2) وقوله: {يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم} أي: يحيط علما بالخلائق كلهم، {ولا يحيطون به علما} كقوله: {ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء} [البقرة: 255] . وقوله: {وعنت الوجوه للحي القيوم} قال ابن عباس، وغير واحد: خضعت وذلت واستسلمت الخلائق لجبارها الحي الذي لا يموت، القيوم: الذي لا ينام، وهو قيم على كل شيء، يدبره ويحفظه، فهو الكامل في نفسه، الذي كل شيء فقير إليه، لا قوام له إلا به. وقوله: {وقد خاب من حمل ظلما} أي: يوم القيامة، فإن الله سيؤدي كل حق إلى صاحبه، حتى يقتص للشاة الجماء من الشاة القرناء. وفي الحديث: "يقول الله تعالى: وعزتي وجلالي، لا يجاوزني اليوم ظلم ظالم" (3) . وفي الصحيح: "إياكم والظلم؛ فإن الظلم ظلمات يوم القيامة" (4) . والخيبة كل الخيبة من لقي الله وهو مشرك به؛ فإن الله تعالى يقول: {إن الشرك لظلم عظيم} [لقمان: 13] وقوله: {ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما} لما ذكر الظالمين ووعيدهم، ثنى بالمتقين وحكمهم، وهو أنهم لا يظلمون ولا يهضمون، أي: لا يزاد في سيئاتهم ولا ينقص من حسناتهم (5) . قاله ابن عباس، ومجاهد، والضحاك، والحسن، وقتادة، وغير واحد. فالظلم: الزيادة بأن يحمل عليه ذنب غيره، والهضم: النقص. يقول: ولما كان يوم المعاد والجزاء بالخير والشر واقعا لا محالة، أنزلنا القرآن بشيرا ونذيرا، بلسان
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٣١٨) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
القول إلى كناية «من» وذلك كقول القاتل الآخر: رضيت لك عملك، ورضيته منك، وموضع من من قوله {إلا من أذن له} [طه: 109] نصب لأنه خلاف الشفاعة
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/١٧٠) ↗التحرير والتنوير
وعلى الأشياء المعنوية كالدين. ومفتوح العين- يوصف به الأشياء المنتصبة كالحائط والعصا، وهو ظاهر ما في «لسان العرب» عن الأزهري. وقال فريق:- مكسور العين- توصف به المعاني، ومفتوح العين- توصف به الأعيان. وهذا أضعف الأقوال. وهو منقول عن ابن دريد في «الجمهرة» وتبعه في «الكشاف» هنا، وكأنه مال إلى ما فيه من التفرقة في الاستعمال، وذلك من الدقائق التي يميل إليها المحققون. ولم يعرج عليه صاحب «القاموس» ، وتعسف صاحب «الكشاف» تأويل الآية على اعتباره خلافا لظاهرها. وهو يقتضي عدم صحة إطلاقه في كل موضع. وتقدم هذا اللفظ في أول سورة الكهف فانظره. والأمت: النتوء اليسير، أي لا ترى فيها وهدة ولا نتوءا ما. والمعنى: لا ترى في مكان فسقها عوجا ولا أمتا. [108- 112] 112] يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له وخشعت الأصوات للرحمن فلا تسمع إلا همسا (108) يومئذ لا تنفع الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا (109) يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم ولا يحيطون به علما (110) وعنت الوجوه للحي القيوم وقد خاب من حمل ظلما (111) ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلما ولا هضما (112) جملة يتبعون الداعي في معنى المفرعة على جملة ينسفها [طه: 105] . ويومئذ ظرف متعلق ب يتبعون الداعي. وقدم الظرف على عامله
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٣٠٨) ↗