سورة طه · الآية ١٠٧
﴿لَا تَرَىٰ فِيهَا عِوَجًا وَلَا أَمْتًا﴾
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن أهوال القيامة، وما فيها من الزلازل والقلاقل، فقال: { ويسألونك عن الجبال } أي: ماذا يصنع بها يوم القيامة، وهل تبقى بحالها أم لا؟ { فقل ينسفها ربي نسفا } أي: يزيلها ويقلعها من أماكنها فتكون كالعهن وكالرمل، ثم يدكها فيجعلها هباء منبثا، فتضمحل وتتلاشى، ويسويها بالأرض، ويجعل الأرض قاعا صفصفا، مستويا لا يرى فيه أيها الناظر عوجا، هذا من تمام استوائها { ولا أمتا } أي: أودية وأماكن منخفضة، أو مرتفعة فتبرز الأرض، وتتسع للخلائق، ويمدها الله مد الأديم، فيكونون في موقف واحد، يسمعهم الداعي، وينفذهم البصر، ولهذا قال: { يومئذ يتبعون الداعي } وذلك حين يبعثون من قبورهم ويقومون منها، يدعوهم الداعي إلى الحضور والاجتماع للموقف، فيتبعونه مهطعين إليه، لا يلتفتون عنه، ولا يعرجون يمنة ولا يسرة، وقوله: { لا عوج له } أي: لا عوج لدعوة الداعي، بل تكون دعوته حقا وصدقا، لجميع الخلق، يسمعهم جميعهم، ويصيح بهم أجمعين، فيحضرون لموقف القيامة، خاشعة أصواتهم للرحمن، { فلا تسمع إلا همسا } أي: إلا وطء الأقدام، أو المخافتة سرا بتحريك الشفتين فقط، يملكهم الخشوع والسكون والإنصات، انتظارا لحكم الرحمن فيهم، وتعنو وجوههم، أي: تذل وتخضع، فترى في ذلك الموقف العظيم، الأغنياء والفقراء، والرجال والنساء، والأحرار والأرقاء، والملوك والسوقة، ساكتين منصتين، خاشعة أبصارهم، خاضعة رقابهم، جاثين على ركبهم، عانية وجوههم، لا يدرون ماذا ينفصل كل منهم به، ولا ماذا يفعل به، قد اشتغل كل بنفسه وشأنه، عن أبيه وأخيه، وصديقه وحبيبه لكل امرىء منهم يومئذ شأن يغنيه [عبس: 37] فحينئذ يحكم فيهم الحاكم العدل الديان، ويجازي المحسن بإحسانه، والمسيء بالحرمان. والأمل بالرب الكريم، الرحمن الرحيم، أن يرى الخلائق منه، من الفضل والإحسان، والعفو والصفح والغفران، ما لا تعبر عنه الألسنة، ولا تتصوره الأفكار، ويتطلع لرحمته إذ ذاك جميع الخلق لما …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وتتناثر (1) النجوم، وتذهب (2) الشمس والقمر، وينادي مناد، فيتبع الناس الصوت [فيأتونه] (3) فذلك قوله: {يومئذ يتبعون الداعي لا عوج له} . وقال قتادة: {لا عوج له} لا يميلون عنه. وقال أبو صالح: {لا عوج له} لا عوج عنه. وقوله: {وخشعت الأصوات للرحمن} : قال ابن عباس: سكنت: وكذا قال السدي. {فلا تسمع إلا همسا} قال سعيد بن جبير، عن ابن عباس: يعني: وطء الأقدام. وكذا قال عكرمة، ومجاهد، والضحاك، والربيع بن أنس، وقتادة، وابن زيد، وغيرهم. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {فلا تسمع إلا همسا} : الصوت الخفي. وهو رواية عن عكرمة، والضحاك. وقال سعيد بن جبير: {فلا تسمع إلا همسا} : الحديث، وسره، ووطء الأقدام. فقد جمع سعيد كلا القولين وهو محتمل، أما وطء الأقدام فالمراد سعي الناس إلى المحشر، وهو مشيهم في سكون وخضوع. وأما الكلام الخفي فقد يكون في حال دون حال، فقد قال تعالى: {يوم يأت لا تكلم نفس إلا بإذنه فمنهم شقي وسعيد} [هود: 105] . يقول تعالى: {يومئذ} أي: يوم القيامة {لا تنفع الشفاعة} أي: عنده {إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولا} كقوله: {من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه} [البقرة: 255] ،وقوله: {وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى} [النجم: 26] ، وقال: {ولا يشفعون إلا لمن ارتضى} [الأنبياء: 28] وقال: {ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له} [سبأ: 23] ، وقال: {يوم يقوم الروح والملائكة صفا لا يتكلمون إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا} [النبأ: 38] . وفي الصحيحين، من غير وجه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو سيد ولد آدم، وأكرم الخلائق على الله عز وجل أنه قال: "آتي تحت العرش، وأخر (4) لله ساجدا، ويفتح علي بمحامد لا أحصيها الآن، فيدعني (5) ما شاء الله أن يدعني، ثم يقول: يا محمد، ارفع رأسك، وقل يسمع (6) واشفع تشفع". قال: "فيحد لي حدا، فأدخلهم الجنة، ثم أعود"، فذكر …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٦/١٦٢) ↗التحرير والتنوير
يوما أقرب إلى رواج الاعتذار. فالمراد: أنه الأمثل من بينهم في المعاذير، وليس المراد أنه مصيب. وإن سلكنا به مسلك المجاز فهو تهكم بالقائل في سوء تقديره من لبثهم في القبور، فلما كان كلا التقديرين متوغلا في الغلظ مؤذنا بجهل المقدرين واستبهام الأمر عليهم دالا على الجهل بعظيم قدرة الله تعالى الذي قضى الأزمان الطويلة والأمم العظيمة وأعادهم بعد القرون الغابرة، فكان الذي قدر زمن المكث في القبور بأقل قدر أوغل في الغلط فعبر عنه ب أمثلهم طريقة تهكما به وبهم معا إذ استوى الجميع في الخطأ. وجملة نحن أعلم بما يقولون معترضة بين فعل يتخافتون وظرفية إذ يقول أمثلهم، أي إنهم يقولون ذلك سرا ونحن أعلم به وإننا نخبر عن قولهم يومئذ خبر العليم الصادق. [105- 107] 107] ويسئلونك عن الجبال فقل ينسفها ربي نسفا (105) فيذرها قاعا صفصفا (106) لا ترى فيها عوجا ولا أمتا (107) لما جرى ذكر البعث ووصف ما سينكشف للذين أنكروه من خطئهم في شبهتهم بتعذر إعادة الأجسام بعد تفرق أجزائها ذكرت أيضا شبهة من شبهاتهم كانوا يسألون بها النبيء صلى الله عليه وسلم سؤال تعنت لا سؤال استهداء، فكانوا يحيلون انقضاء هذا العالم ويقولون: فأين تكون هذه الجبال التي نراها. وروي أن رجلا من ثقيف سأل النبيء صلى الله عليه وسلم عن ذلك، وهم أهل جبال لأن موطنهم الطائف وفيه جبل كرى. وسواء كان سؤالهم استهزاء أم استرشادا، فقد أنبأهم الله بمصير
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/٣٠٦) ↗