سورة مريم · الآية ٩٨
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
يخبر تعالى عن نعمته تعالى، وأن الله يسر هذا القرآن الكريم بلسان الرسول محمد صلى الله عليه وسلم، يسر ألفاظه ومعانيه، ليحصل المقصود منه والانتفاع به، { لتبشر به المتقين } بالترغيب في المبشر به من الثواب العاجل والآجل، وذكر الأسباب الموجبة للبشارة، { وتنذر به قوما لدا } أي: شديدين في باطلهم، أقوياء في كفرهم، فتنذرهم. فتقوم عليهم الحجة، وتتبين لهم المحجة، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة. ثم توعدهم بإهلاك المكذبين قبلهم، فقال: { وكم أهلكنا قبلهم من قرن } من قوم نوح، وعاد، وثمود، وفرعون، وغيرهم من المعاندين المكذبين، لما استمروا في طغيانهم، أهلكهم الله فليس لهم من باقية. { هل تحس منهم من أحد أو تسمع لهم ركزا } والركز: الصوت الخفي، أي: لم يبق منهم عين ولا أثر، بل بقيت أخبارهم عبرة للمعتبرين، وأسمارهم عظة للمتعظين.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: مريم ٩٧–٩٨) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال الحسن البصري: يعني الصور، وكذا قال مالك: {أثاثا ورئيا} : أكثر أموالا وأحسن صورا. والكل متقارب صحيح. يقول تعالى: {قل} يا محمد، لهؤلاء المشركين بربهم المدعين، أنهم على الحق وأنكم على الباطل: {من كان في الضلالة} أي: منا ومنكم، {فليمدد له الرحمن مدا} أي: فأمهله الرحمن (1) فيما هو فيه، حتى يلقى ربه وينقضي (2) أجله، {إما العذاب} يصيبه، {وإما الساعة} بغتة تأتيه، {فسيعلمون} حينئذ {من هو شر مكانا وأضعف جندا} [أي] (3) : في مقابلة ما احتجوا به من خيرية المقام وحسن الندي. قال مجاهد في قوله: {فليمدد له الرحمن مدا} فليدعه الله في طغيانه. هكذا قرر ذلك أبو جعفر بن جرير، رحمه الله. وهذه مباهلة للمشركين الذين يزعمون أنهم على هدى فيما هم فيه (4) ، كما ذكر تعالى مباهلة اليهود في قوله: {قل يا أيها الذين هادوا إن زعمتم أنكم أولياء لله من دون الناس فتمنوا الموت إن كنتم صادقين} [الجمعة: 6] أي: ادعوا على المبطل منا ومنكم بالموت (5) إن كنتم تدعون أنكم على الحق، فإنه لا يضركم الدعاء، فنكلوا عن ذلك، وقد تقدم تقرير ذلك في سورة "البقرة" مبسوطا، ولله الحمد. وكما ذكر تعالى المباهلة مع النصارى في سورة "آل عمران" حين (6) صمموا على الكفر، واستمروا على الطغيان والغلو في دعواهم أن عيسى ولد الله، وقد ذكر الله حججه وبراهينه على عبودية عيسى، وأنه مخلوق كآدم، قال (7) بعد ذلك: {فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين} [آل عمران: 61] فنكلوا أيضا عن ذلك. لما ذكر [الله] (8) تعالى إمداد من هو في الضلالة فيما هو فيه وزيادته على ما هو عليه، أخبر بزيادة المهتدين هدى كما قال تعالى: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون * وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا …
أكمل القراءة في الكتاب ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
وأحسن منهم منظرا وأجمل صورا، فأهلكنا أموالهم، وغيرنا صورهم، ومن ذلك قول علقمة بن عبدة: [البحر الطويل] كميت كلون الأرجوان نشرته %~% لبيع الرئي في الصوان المكعب يعني بالصوان: التخت الذي تصان فيه الثياب. وبنحو الذي قلنا في ذلك، قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٦١٠) ↗التحرير والتنوير
وقرأ الجمهور ثم تنجي بفتح النون الثانية وتشديد الجيم، وقرأه الكسائي بسكون النون الثانية وتخفيف الجيم. [73- 74] 74] وإذا تتلى عليهم آياتنا بينات قال الذين كفروا للذين آمنوا أي الفريقين خير مقاما وأحسن نديا (73) وكم أهلكنا قبلهم من قرن هم أحسن أثاثا ورءيا (74) عطف على قوله ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا [مريم: 66] وهذا صنف آخر من غرور المشركين بالدنيا وإناطتهم دلالة على السعادة بأحوال طيب العيش في الدنيا فكان المشركون يتشففون على المؤمنين ويرون أنفسهم أسعد منهم. والتلاوة: القراءة. وقد تقدمت عند قوله تعالى: واتبعوا ما تتلوا الشياطين على ملك سليمان في البقرة [102] ، وقوله: وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا في أول الأنفال [2] . كان النبيء صلى الله عليه وسلم يقرأ على المشركين القرآن فيسمعون آيات النعي عليهم وإنذارهم بسوء المصير، وآيات البشارة للمؤمنين بحسن العاقبة، فكان المشركون يكذبون بذلك ويقولون: لو كان للمؤمنين خير لعجل لهم، فنحن في نعمة وأهل سيادة، وأتباع محمد من عامة الناس، وكيف يفوقوننا بل كيف يستوون معنا، ولو كنا عند الله كما يقول محمد لمن على المؤمنين برفاهية العيش فإنهم في حالة ضنك ولا يساووننا فلو أقصاهم محمد عن مجلسه لاتبعناه، قال تعالى: ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء فتطردهم فتكون من الظالمين وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء من الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلم بالشاكرين [الأنعام: 52، 53] ،
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/١٥٣) ↗