سورة مريم · الآية ٨٤
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
وهذا من عقوبة الكافرين أنهم - لما لم يعتصموا بالله، ولم يتمسكوا بحبل الله، بل أشركوا به ووالوا أعداءه، من الشياطين - سلطهم عليهم، وقيضهم لهم، فجعلت الشياطين تؤزهم إلى المعاصي أزا، وتزعجهم إلى الكفر إزعاجا، فيوسوسون لهم، ويوحون إليهم، ويزينون لهم الباطل، ويقبحون لهم الحق، فيدخل حب الباطل في قلوبهم ويتشربها، فيسعى فيه سعي المحق في حقه، فينصره بجهده ويحارب عنه، ويجاهد أهل الحق في سبيل الباطل، وهذا كله، جزاء له على توليه من وليه وتوليه لعدوه، جعل له عليه سلطان، وإلا فلو آمن بالله، وتوكل عليه، لم يكن له عليه سلطان، كما قال تعالى: إنه ليس له سلطان على الذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون * إنما سلطانه على الذين يتولونه والذين هم به مشركون [النحل: 99-100]. { فلا تعجل عليهم } أي على هؤلاء الكفار المستعجلين بالعذاب { إنما نعد لهم عدا } أي: أن لهم أياما معدودة لا يتقدمون عنها ولا يتأخرون، نمهلهم ونحلم عنهم مدة ليراجعوا أمر الله، فإذا لم ينجع فيهم ذلك أخذناهم أخذ عزيز مقتدر.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: مريم ٨٣–٨٤) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال العوفي، عن ابن عباس: {ويكونون عليهم ضدا} قال: قرناء. وقال قتادة: قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضا، ويكفر بعضهم ببعض. وقال السدي: {ويكونون عليهم ضدا} قال: الخصماء الأشداء في الخصومة. وقال الضحاك: {ويكونون عليهم ضدا} قال: أعداء. وقال ابن زيد: الضد: البلاء. وقال عكرمة: الضد: الحسرة. وقوله: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: تغويهم إغواء. وقال العوفي عنه: تحرضهم على محمد وأصحابه. وقال مجاهد: تشليهم إشلاء (1) . وقال قتادة: تزعجهم إزعاجا إلى معاصي الله. وقال سفيان الثوري: تغريهم إغراء وتستعجلهم استعجالا. وقال السدي: تطغيهم طغيانا. وقال عبد الرحمن بن زيد: هذا كقوله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} [الزخرف: 36] . وقوله: {فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا} أي: لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم، {إنما نعد لهم عدا} أي: إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله، {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} [إبراهيم: 42] ، {فمهل الكافرين أمهلهم رويدا} [الطارق: 17] {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} [آل عمران: 178] ، {نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ} [لقمان: 24] ، {قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} [إبراهيم: 30] . قال السدي: {إنما نعد لهم عدا} السنين، والشهور، والأيام، والساعات. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {إنما نعد لهم عدا} قال: نعد أنفاسهم في الدنيا.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٢٦٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
فتزعجهم إلى معاصي الله، وتغريهم بها حتى يواقعوها {أزا} [مريم: 83] إزعاجا وإغواء. وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٦٢٦) ↗التحرير والتنوير
84] ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا (83) فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا (84) استئناف بياني لجواب سؤال يجيش في نفس الرسول صلى الله عليه وسلم من إيغال الكافرين في الضلال جماعتهم وآحادهم، وما جره إليهم من سوء المصير ابتداء من قوله تعالى: ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا [مريم: 66] ، وما تخلل ذلك من ذكر إمهال الله إياهم في الدنيا، وما أعد لهم من العذاب في الآخرة. وهي معترضة بين جملة واتخذوا من دون الله آلهة [مريم: 81] وجملة يوم نحشر المتقين [مريم: 85] . وأيضا هي كالتذييل لتلك الآيات والتقرير لمضمونها لأنها تستخلص أحوالهم، وتتضمن تسلية الرسول صلى الله عليه وسلم عن إمهالهم وعدم تعجيل عقابهم. والاستفهام في ألم تر تعجيبي، ومثله شائع في كلام العرب يجعلون الاستفهام على نفي فعل. والمراد حصول ضده بحث المخاطب على الاهتمام بتحصيله، أي كيف لم تر ذلك، ونزل إرسال الشياطين على الكافرين لا تضاح آثاره منزلة الشيء المرثي المشاهد، فوقع التعجيب من مرآه بقوله: ألم تر ذلك. والأز: الهز والاستفزاز الباطني، مأخوذ من أزيز القدر إذا اشتد غليانها. شبه اضطراب اعتقادهم وتناقض أقوالهم واختلاق أكاذيبهم بالغليان في صعود وانخفاض وفرقعة وسكون، فهو استعارة فتأكيده بالمصدر ترشيح. وإرسال الشياطين عليهم تسخيرهم لها وعدم انتفاعهم بالإرشاد النبوي المنقد من حبائلها، وذلك لكفرهم وإعراضهم عن استماع
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/١٦٥) ↗