سورة مريم · الآية ٨١
التفسير
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)
أي: أفلا تتعجب من حالة هذا الكافر، الذي جمع بين كفره بآيات الله ودعواه الكبيرة، أنه سيؤتى في الآخرة مالا وولدا، أي: يكون من أهل الجنة، هذا من أعجب الأمور، فلو كان مؤمنا بالله وادعى هذه الدعوى، لسهل الأمر. وهذه الآية - وإن كانت نازلة في كافر معين - فإنها تشمل كل كافر، زعم أنه على الحق، وأنه من أهل الجنة، قال الله توبيخا له وتكذيبا: { أطلع الغيب } أي: أحاط علمه بالغيب، حتى علم ما يكون، وأن من جملة ما يكون، أنه يؤتى يوم القيامة مالا وولدا؟ { أم اتخذ عند الرحمن عهدا } أنه نائل ما قاله، أي: لم يكن شيء من ذلك، فعلم أنه متقول، قائل ما لا علم له به. وهذا التقسيم والترديد، في غاية ما يكون من الإلزام وإقامة الحجة فإن الذي يزعم أنه حاصل له خير عند الله في الآخرة، لا يخلو: إما أن يكون قوله صادرا عن علم بالغيوب المستقبلة، وقد علم أن هذا لله وحده، فلا أحد يعلم شيئا من المستقبلات الغيبية، إلا من أطلعه الله عليه من رسله. وإما أن يكون متخذا عهدا عند الله، بالإيمان به، واتباع رسله، الذين عهد الله لأهله، وأوزع أنهم أهل الآخرة، والناجون الفائزون. فإذا انتفى هذان الأمران، علم بذلك بطلان الدعوى، ولهذا قال تعالى: { كلا } أي: ليس الأمر كما زعم، فليس للقائل اطلاع على الغيب، لأنه كافر، ليس عنده من علم الرسائل شيء، ولا اتخذ عند الرحمن عهدا، لكفره وعدم إيمانه، ولكنه يستحق ضد ما تقوله، وأن قوله مكتوب محفوظ، ليجازى عليه ويعاقب، ولهذا قال: { سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا } أي: نزيده من أنواع العقوبات، كما ازداد من الغي والضلال، { ونرثه ما يقول } أي: نرثه ماله وولده، فينتقل من الدنيا فردا، بلا مال ولا أهل ولا أنصار ولا أعوان { ويأتينا فردا } فيرى من وخيم العذاب وأليم العقاب، ما هو جزاء أمثاله من الظالمين.
تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: مريم ٧٧–٨٢) ↗تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)
وقال العوفي، عن ابن عباس: {ويكونون عليهم ضدا} قال: قرناء. وقال قتادة: قرناء في النار، يلعن بعضهم بعضا، ويكفر بعضهم ببعض. وقال السدي: {ويكونون عليهم ضدا} قال: الخصماء الأشداء في الخصومة. وقال الضحاك: {ويكونون عليهم ضدا} قال: أعداء. وقال ابن زيد: الضد: البلاء. وقال عكرمة: الضد: الحسرة. وقوله: {ألم تر أنا أرسلنا الشياطين على الكافرين تؤزهم أزا} قال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: تغويهم إغواء. وقال العوفي عنه: تحرضهم على محمد وأصحابه. وقال مجاهد: تشليهم إشلاء (1) . وقال قتادة: تزعجهم إزعاجا إلى معاصي الله. وقال سفيان الثوري: تغريهم إغراء وتستعجلهم استعجالا. وقال السدي: تطغيهم طغيانا. وقال عبد الرحمن بن زيد: هذا كقوله تعالى: {ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيض له شيطانا فهو له قرين} [الزخرف: 36] . وقوله: {فلا تعجل عليهم إنما نعد لهم عدا} أي: لا تعجل يا محمد على هؤلاء في وقوع العذاب بهم، {إنما نعد لهم عدا} أي: إنما نؤخرهم لأجل معدود مضبوط، وهم صائرون لا محالة إلى عذاب الله ونكاله، {ولا تحسبن الله غافلا عما يعمل الظالمون إنما يؤخرهم ليوم تشخص فيه الأبصار} [إبراهيم: 42] ، {فمهل الكافرين أمهلهم رويدا} [الطارق: 17] {إنما نملي لهم ليزدادوا إثما} [آل عمران: 178] ، {نمتعهم قليلا ثم نضطرهم إلى عذاب غليظ} [لقمان: 24] ، {قل تمتعوا فإن مصيركم إلى النار} [إبراهيم: 30] . قال السدي: {إنما نعد لهم عدا} السنين، والشهور، والأيام، والساعات. وقال علي بن أبي طلحة، عن ابن عباس: {إنما نعد لهم عدا} قال: نعد أنفاسهم في الدنيا.
تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٢٦٢) ↗تفسير الطبري (جامع البيان)
عبادتهموها عند الله زلفى
تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٦٢٣) ↗التحرير والتنوير
والإرث: مستعمل مجازا في السلب والأخذ، أو كناية عن لازمه وهو الهلاك. والمقصود: تذكيره بالموت، أو تهديده بقرب هلاكه. ومعنى إرث أولاده أنهم يصيرون مسلمين فيدخلون في حزب الله، فإن العاصي ولد عمرا الصحابي الجليل وهشاما الصحابي الشهيد يوم أجنادين، فهنا بشارة للنبيء صلى الله عليه وسلم ونكاية وكمد للعاصي بن وائل. والفرد: الذي ليس معه ما يصير به عددا، إشارة إلى أنه يحشر كافرا وحده دون ولده، ولا مال له، وفردا حال. [81- 82] 82] واتخذوا من دون الله آلهة ليكونوا لهم عزا (81) كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا (82) عطف على جملة ويقول الإنسان أإذا ما مت [مريم: 66] فضمير اتخذوا عائد إلى الذين أشركوا لأن الكلام جرى على بعض منهم. والاتخاذ: جعل الشخص الشيء لنفسه، فجعل الاتخاذ هنا الاعتقاد والعبادة. وفي فعل الاتخاذ إيماء إلى أن عقيدتهم في تلك الآلهة شيء مصطلح عليه مختلق لم يأمر الله به كما قال تعالى عن إبراهيم: قال أتعبدون ما تنحتون [الصافات: 95] . وفي قوله من دون الله إيماء إلى أن الحق يقتضي أن يتخذوا الله إلها، إذ بذلك تقرر الاعتقاد الحق من مبدإ الخليقة، وعليه دلت العقول الراجحة. ومعنى ليكونوا لهم عزا ليكونوا معزين لهم، أي ناصرين، فأخبر عن الآلهة بالمصدر لتصوير اعتقاد المشركين في آلهتهم أنهم نفس العز، أي أن مجرد الانتماء لها يكسبهم عزا.
التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/١٦٣) ↗