البيانابحثاسألالمقالاتالمعاجمالرواةالموضوعات

سورة مريم · الآية ٨٠

﴿وَنَرِثُهُ مَا يَقُولُ وَيَأْتِينَا فَرْدًا﴾

التفسير

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي)

أي: أفلا تتعجب من حالة هذا الكافر، الذي جمع بين كفره بآيات الله ودعواه الكبيرة، أنه سيؤتى في الآخرة مالا وولدا، أي: يكون من أهل الجنة، هذا من أعجب الأمور، فلو كان مؤمنا بالله وادعى هذه الدعوى، لسهل الأمر. وهذه الآية - وإن كانت نازلة في كافر معين - فإنها تشمل كل كافر، زعم أنه على الحق، وأنه من أهل الجنة، قال الله توبيخا له وتكذيبا: { أطلع الغيب } أي: أحاط علمه بالغيب، حتى علم ما يكون، وأن من جملة ما يكون، أنه يؤتى يوم القيامة مالا وولدا؟ { أم اتخذ عند الرحمن عهدا } أنه نائل ما قاله، أي: لم يكن شيء من ذلك، فعلم أنه متقول، قائل ما لا علم له به. وهذا التقسيم والترديد، في غاية ما يكون من الإلزام وإقامة الحجة فإن الذي يزعم أنه حاصل له خير عند الله في الآخرة، لا يخلو: إما أن يكون قوله صادرا عن علم بالغيوب المستقبلة، وقد علم أن هذا لله وحده، فلا أحد يعلم شيئا من المستقبلات الغيبية، إلا من أطلعه الله عليه من رسله. وإما أن يكون متخذا عهدا عند الله، بالإيمان به، واتباع رسله، الذين عهد الله لأهله، وأوزع أنهم أهل الآخرة، والناجون الفائزون. فإذا انتفى هذان الأمران، علم بذلك بطلان الدعوى، ولهذا قال تعالى: { كلا } أي: ليس الأمر كما زعم، فليس للقائل اطلاع على الغيب، لأنه كافر، ليس عنده من علم الرسائل شيء، ولا اتخذ عند الرحمن عهدا، لكفره وعدم إيمانه، ولكنه يستحق ضد ما تقوله، وأن قوله مكتوب محفوظ، ليجازى عليه ويعاقب، ولهذا قال: { سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا } أي: نزيده من أنواع العقوبات، كما ازداد من الغي والضلال، { ونرثه ما يقول } أي: نرثه ماله وولده، فينتقل من الدنيا فردا، بلا مال ولا أهل ولا أنصار ولا أعوان { ويأتينا فردا } فيرى من وخيم العذاب وأليم العقاب، ما هو جزاء أمثاله من الظالمين.

تيسير الكريم الرحمن (تفسير السعدي) (السعدي، ت ١٣٧٦هـ: مريم ٧٧–٨٢) ↗

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير)

بن الأرت، كنت قينا بمكة، فكنت أعمل للعاص بن وائل، قال: فاجتمعت لي عليه دراهم، فجئت لأتقاضاه (1) ، فقال لي: لا أقضيك (2) حتى تكفر بمحمد. فقلت: لا أكفر بمحمد حتى تموت ثم تبعث. قال: فإذا بعثت كان لي مال وولد. قال: فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله: {أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا} إلى قوله: {ويأتينا فردا} (3) . وقال العوفي عن ابن عباس: إن رجالا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كانوا يطلبون العاص بن وائل السهمي بدين، فأتوه يتقاضونه، فقال: ألستم تزعمون أن في الجنة ذهبا وفضة وحريرا، ومن كل الثمرات؟ قالوا: بلى. قال: فإن موعدكم (4) الآخرة، فوالله لأوتين مالا وولدا، ولأوتين مثل كتابكم الذي جئتم به. فضرب الله مثله في القرآن فقال (5) {أفرأيت الذي كفر بآياتنا} إلى قوله: {ويأتينا فردا} وهكذا قال مجاهد، وقتادة، وغيرهم: إنها نزلت في العاص بن وائل. وقوله: {لأوتين مالا وولدا} قرأ بعضهم بفتح "الواو" من "ولدا" وقرأ آخرون بضمها، وهو بمعناه، قال رؤبة: الحمد لله العزيز فردا %~% لم يتخذ من ولد شيء ولدا (6) وقال الحارث بن حلزة: ولقد رأيت معاشرا %~% قد تمروا مالا وولدا (7) وقال الشاعر: فليت فلانا كان في بطن أمه %~% وليت فلانا كان ولد حمار (8) وقيل: إن "الولد" بالضم جمع، "والولد" بالفتح مفرد، وهي لغة قيس، والله أعلم. وقوله: {أطلع الغيب} : إنكار على هذا القائل، {لأوتين مالا وولدا} يعني: يوم القيامة، أي: أعلم ما له في الآخرة حتى تألى (9) وحلف على ذلك، {أم اتخذ عند الرحمن عهدا} : أم له عند الله عهد سيؤتيه ذلك؟ وقد تقدم عند البخاري: أنه الموثق. وقال الضحاك، عن ابن عباس: {أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا} قال: لا إله إلا الله، فيرجو بها (10) . وقال محمد بن كعب القرظي: {أم اتخذ عند الرحمن عهدا} (11) قال: شهادة أن لا إله إلا الله، ثم قرأ: {أم اتخذ عند الرحمن عهدا} .

تفسير القرآن العظيم (تفسير ابن كثير) (ابن كثير، ت ٧٧٤هـ: ٥/٢٦٠) ↗

تفسير الطبري (جامع البيان)

بل كذب وكفر. ثم قال تعالى ذكره: {سنكتب ما يقول} [مريم: 79] أي سنكتب ما يقول هذا الكافر بربه، القائل {لأوتين} [مريم: 77] في الآخرة {مالا وولدا} [الكهف: 39] {ونمد له من العذاب مدا} [مريم: 79] يقول: ونزيده من العذاب في جهنم بقيله الكذب والباطل في الدنيا، زيادة على عذابه بكفره بالله

تفسير الطبري (جامع البيان) (الطبري، ت ٣١٠هـ: ١٥/٦٢١) ↗

التحرير والتنوير

عليه المسلمون من الشظف والضعف باعتبار المآلين، إذ كان مآل الكفرة العذاب ومآل المؤمنين السلامة من العذاب وبعد فللمؤمنين الثواب. والباقيات الصالحات: صفتان لمحذوف معلوم من المقام، أي الأعمال الباقي نعيمها وخيرها، والصالحات لأصحابها هي خير عند الله من نعمة النجاة من العذاب. وقد تقدم وجه تقديم الباقيات على الصالحات عند الكلام على نظيره في أثناء سورة الكهف. والمرد، المرجع. والمراد به عاقبة الأمر. [77- 80] 80] أفرأيت الذي كفر بآياتنا وقال لأوتين مالا وولدا (77) أطلع الغيب أم اتخذ عند الرحمن عهدا (78) كلا سنكتب ما يقول ونمد له من العذاب مدا (79) ونرثه ما يقول ويأتينا فردا (80) تفريع على قوله ويقول الإنسان أإذا ما مت لسوف أخرج حيا [مريم: 66] وما اتصل به من الاعتراض والتفريعات. والمناسبة: أن قائل هذا الكلام كان في غرور مثل الغرور الذي كان فيه أصحابه. وهو غرور إحالة البعث. والآية تشير إلى قصة خباب بن الأرت مع العاص بن وائل السهمي. ففي «الصحيح» : أن خبابا كان يصنع السيوف في مكة، فعمل للعاص بن وائل سيفا وكان ثمنه دينا على العاص، وكان خباب قد أسلم، فجاء خباب يتقاضى دينه من العاص فقال له العاص بن

التحرير والتنوير (ابن عاشور، ت ١٣٩٣هـ: ١٦/١٥٨) ↗